عن فيلسوف قبيلتنا | اليمني اليوم
عن فيلسوف قبيلتنا

 

 

العميد عبدالله صالح البخيتي؛ رحل عنا قبل أيام؛ وتحديداً في ١٨ ديسمبر ٢٠١٦م؛ كان رجلاً استثنائياً؛ لديه ملكات تفكير متقدمة؛ وعبقرية غير عادية؛ يدهشك حديثه؛ الذي لا يشبهه أي حديث؛ لا يكرر؛ ولا يقول كلاماً انشائياً؛ ولا يعيد ما يتقوله الناس في المقايل والندوات والمجالس؛ حديثه يخصه هو؛ صنعه هو؛ حاكه هو؛ عليه بصمته الخاصة؛ تخرج من مجلسه وانت تفكر في ما قاله من حديث؛ تتقاذفك الأفكار التي رماك بها؛ والأسئلة التي خلقها حديثة؛ والقواعد التي هشمتها أفكاره.

حديثه له لونه الخاص، إذا سمعته من أحد تعرف أنه صدر عنه، ولو كان في دولة أخرى لصنف فيلسوفاً أو مفكراً؛ لكنه عاش في مجتمع من يخرج فيه عما تعوده الناس من حديث وافكار غالباً ما يرمى بأن حديثه غير مفهوم، أو أنه يهرطق، فعجز الآخر عن استيعاب ما يقول يدفعهم لتصنيفه خارج سياق ما يستحقه الرجل.

كان أول من هشم الأصنام الفكرية التي تعودت عليها، والتي ورثناها دون نقاش، واستسلمنا لها، كما استسلمنا لكل موروثنا الثقافي والديني، أدين له ولشقيقه محمد صالح البخيتي بأنهم أول من فتح عيني على أن كل ما نحمله من أفكار وموروث ليس قرآناً منزلاً، ولا قواعد رياضيات مسلم بها، بل أن الكثير منه خرافات، وسرعان ما التقطت منهم، وبدأت رحلة البحث، عن المحيط، وعن الذات، وعن كل الموروث.

العميد عبدالله صالح البخيتي ووري الثرى قبل أيام، لكن أفكاره وأحاديثه يتناقلها محيطه، وكل من التقى به، ولديه أشعار أشبه بالفلسفة، أتمنى من أبنائه جمع ما يمكنهم منها، ومن أقواله، التي ندمت أشد الندم أنني لم اسعى الى تسجيلها في أشرطة ومن ثم تفريغها في كتاب، فمن يعيد لنا الآن أقواله كما هي، فمهما تذكرناها ستكون حتماً ناقصة، وخارجه عن سياق ما أراد أن يوصله لنا، اعتقدنا أنه سيبقى بيننا، لن يموت، أهملناه حتى خطفة الموت منا، كم نحن أغبياء، كم نحن شركاء في دفن أفكاره، أما جثته فهذا قدرها.

تحية لوالده الشيخ صالح بن صالح مفتاح البخيتي الرجل التسعيني ذو الذاكرة الحديدية، والى أبنائه علي عبدالله البخيتي و ماهر عبدالله البخيتي، ولشقيقه الأكبر الأستاذ محمد صالح البخيتي؛ الرجل الذي أرخ وبشكل موضوعي ومنهجي بعد مراجعته لآلاف الوثائق، لقبيلتنا (الحدا) ولأسرتنا بالتحديد، في عدة كتب، أسرة (بني مفتاح)، لقبنا الأصلي، فالبخيتي انتماء للقبيلة وليس لقب، لكنه أصبح أكثر شهرة من (مفتاح)، وسأسعى لأن تخرج تلك الكتب الى النور في أقرب فرصة.

والى روح الفقيد أقول: قد نتذكر بعض أقوالك، لكن الأجيال القادمة خسرت شخصاً استثنائياً قال كلاماً لأول مرة يقال، ويظهر أنه سيكون لآخر مرة يمكن أن يُسمع، قال فلسفة جديدة، وكان نابغة في مجال عِلم الكلام، لكن في مجتمع تُقبر في المواهب، بالإهمال وبمتاعب الحياة وصراعاتها التي لا تساعد من لديه ملكات تفكير خاصة على تنميتها وتحويلها الى منتج يستفيد منه الآخرون. 

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم