كان سعيدا .. واليوم يعيش بلا وجه | اليمني اليوم

كان سعيدا .. واليوم يعيش بلا وجه

اليمن ذات الوجوه المتعددة صار الضياع فيها أيضا له أكثر من وجه، ورغم رائحة الموت فيها، إلا أن الأساطير مازالت حية تحكي تاريخا عظيما خالدا.

يا شمس صنعاء الكسول أما بدا لكِ أن تدوري؟

في الحياة صدفٌ غريبةٌ، تجعل أحيانآَ حياة الفرد معلقةَ على شفا المواربة بين الواقع والخيال والحلم والحقيقة. لا أعني بها تلك المصادفات المتحجرة التي تختفي تحت سلسلةٍ من الأحداث العشوائية بل الصدف العبقرية التي تكون مزيجاَ من الأضواء الواضحة والظلال، فتغير مسار الأشياء ومجرياتها وتجعلنا نردد "رب صدفةٍ كاشفة".

هذا ما أمر به اليوم وأنا أكتب هذا المقال، فلم يقدني له غير ورقة خضراء تعود لثلاثين عاما مضت، وجدتها حين كنت أعبث بالصدفة في مكتب والدي الراحل، كانت خطابا مختوما بتحية من اليمن، و تحية من تعز، وتحية من الحديدة.

أثار الخطاب شجوني وذكرياتي معاَ، صحيح أنني وقت عمل والدي باليمن كنت في سنواتي العمرية الأولى إلا أنني لم أنس تلك الحكايات التي كانت ترددها أسرتي عن سحر السدر والنخيل والحناء والبخور والتمر ورقصات البيرع التهامية، والمأربية، وبنت الصحن مع الشاي الحضرمي بطعمه الآخاذ.

إحساس رائع تملكني وتوقفت عند جملة أبي واصفا الحياة في اليمن وقتها، بأنها قطعة من الأساطير القديمة والافريقية التي طالما قرأها في كتب أدب الخيال.

قفزت اليمن بعقلي بتاريخها وحضارتها الأسطورية القديمة، وقفزت بوضوح أكثر بعدما قرأت عن فوز ردفان المحمدي بلقب أفضل فنان تشكيلي عربي عن لوحته "اليمن السعيد"، والتي يظهر فيها وجه رجل عجوز نابض بكل تفاصيل الحياة وتجاعيده التي حكت قصص الزمن الجميلة والمؤلمة معا يطل من نافذته على الخراب والدمار بنظرة ملؤها الأمل.

المسابقة كانت بلندن في قسم فيجراتف آرت وتضمنت البطولة معظم اختصاصات الفن التشكيلي لتحصد اليمن ثلاث ميداليات ذهبية، في الفن الرقمي، وفي النحت والتركيب، وفي الفن التشكيلي، ذلك في ٢١ من أغسطس/آب الماضي، لم تكن هذه الجوائز سوى رسايل رمزية للتاريخ وللإنسان نادت بها صنعاء الحلمَ والزمانٓ، كما ناداها عبدالله البردوني من قبل، شاعر اليمن والعرب الفذ العبقري الثوري الذي مرت ذكراه السابعة عشر في ٣٠ من أغسطس/آب حاملةَ الكثير من الأسى والتساؤلات المليئة بالحيرة.

عبدالله البردوني أو (الرائي) كما يسميه اليمنيون، لأن فقده للبصر لم يشكل عائقاَ أمامه، استقرأ الأحداث كلها، وتنبأ بالعدوان، واستشرف المستقبل، فقرأ ما سيكون بالقياس والسببية.

هذا الانسان المسكون بالجمال، والمثقل بالهموم، المعدم الفقير الذي لم يجد إلا كفاف يومه (صناجة اليمن) كان شعره مخزونا لثقافة اليمن بثوراته، وقبائله، وأحزانه، وأحزابه، وطموحه، وآماله، وآلامه. يعرض في شعره قصة اليمن المحيرة والغنية ذات الوجهين، وجه كالشمس في زمن سعيد، وآخر معتم في زمن فوضوي مأساوي حزين.

يقول عنها البردوني في قصيدته "صنعاء والحلم والزمان" :

        
    
        
صنعاء يا أخت القبور ** ثوري فأنك لم تثوري

حاولت أن تتقيئي ** في ليلة عفن العصور

وأردت قبل وسائل الـ ** بنيان تشييد القصور

ونويت في تشرين أن ** تلدي أعاجيب الزهور

فذاك غزو مثلما ** يحكون عن يوم النشور

أيد كأيدي الأخطبوط ** وأوجه مثل الصخور

فتساقطت شفراتك النعسا ** كأعشاش الطيور

وانصب إرهاب المغول ** من البكور إلى البكور

وامتدّ من باب إلى ** باب كغايات النمور

صنعاء من أين الطريق ** إلى الرجوع أو العبور؟

أتزاحمين العالم الـ ** مجنون يا بنت الحدود؟

اليمن ذات الوجوه المتعددة صار الضياع فيها أيضا له أكثر من وجه، لكن رغم رائحة الموت فيها، إلا أنه ما زالت فيها الأساطير حية تحكي تاريخا عظيما خالدا. واليوم سأحكي عن ذلك اليمن السعيد الذي بدأ منذ فجر التاريخ وهو موئل الحضارات والتنوع وقبول الآخر واحتضان الأديان (الزرادشتية، اليهودية، المسيحية، والإسلام).

فلليمن حقٌ إنساني وتاريخي أصيل، يجب أن نتذكره جميعاَ ونتأسى عليه، ألم يخرج من أحشائها العربُ? وهم العرب العاربة (القحطانيون)، بل لم يكن للعرب قبل الإسلام تاريخ معروف إلا ما توارثوه بالرواية عن (سد مأرب) وحضرموت وسبأ ومعين وحمير.

فكانوا يعتمدون نظاما زراعيا متطورا وعرفوا السدود، منها (سد جفنية، والخانق، وأضرعة، ومؤرخة، وشاحك) وأشهرها مأرب أعظم سد مائي في التاريخ، الذي بني من حجارة اقتطعت من صخور الجبال، استخدم فيه الجبس وإسطوانات النحاس والرصاص لتثبيت الحجارة، تعرض السد لأربع انهيارات على الأقل، والمثير للدهشة أنه لم تُبذل أيه جهودٍ لترميمه من ذلك الحين.

لم يكن اليمنيون أميين بل تُظهر الآثار قدرة الأعراب على القراءة والكتابة حيث وُجد سفر المزامير، فقد كانت سبأ وحمير من أوسع الإمبراطوريات في بلاد الشرق والغرب ونافست الفراعنة في الهلال الخصيب ومنطقة بحر العرب والخليج العربي.

وكيف نذكر اليمن دون ذكر بلقيس امرأة الألغاز الجميلة الحكيمة كاملة الأوصاف ذات الصرح الممردد من قوارير، اليمن العبقري الذي حمل النور والرسالة بعد دخول الإسلام فوصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) أهل اليمن بأنهم أصحاب حكمة وإيمان.

وأعظم مثال على عبقرية اليمن وحكمتها أن أول ملكة بالإسلام ملكة يمنية، كانت السيدة الحرة (أروى بنت أحمد الصليحي) التي حكمت في عهد الدولة الصليحية التي تميز حكمها بالعدل والوعي والحكمة، فكانت توفر للطلاب المأكل والملبس، بل ما زالت مدينة جبلة شاهدا على رخاء حكمها إلى الآن، ولا أعرف سبب تجاهلها في اليمن وغيرها من الدول الإسلامية، فهل لأنها من الطائفة الإسماعلية، أم لأن صوت المرآة عورة؟

بل أن أقدم وأول ناطحات السحاب باليمن بمدينة (شبام) بمحافظة حضرموت شرق اليمن التي تعود للقرن السادس عشر أحد أقدم النماذج وأفضلها للتنظيم المدني الدقيق المرتكز على البناء العمودي، وتعود تسميتها بمانهاتن الصحراء، أضافتها اليونسكو عام ٢٠١٥ على قائمة مواقع التراث العالمي المعرض للخطر.

أهكذا الأرض تخضع شوامخها؟ أهكذا أرق الأفئدةِ من بعد حكمتها تغرق في لهيب من الفقر والانقسام? أهكذا تحيا الشعوب ذات الحضارة هائمةَ بلا وطن وبعار وذل تحتضر؟

         
        
كيف ترزخ عدن ثغر اليمن السعيد الباسم تحت نير الحركات المسلحة؟ وكيف تصبح صعدة مدينة للأحزان? بل كيف تتلاشى الممالك ولا يبق منها غير اسمها؟ اليمن أصل التكوين العربي صارت عواصم مشطورةً، عدن وصنعاء والحزم، أول عواصم الدنيا مهددة اليوم بالعطش قبل الانقسام، فيا وَيْل صنعاء من عدن، ويا وَيْل عدن من صنعاء.

المشهد كله مؤامرة، أحزاب سلطوية ونفعية، وفتنة مناطقية، وخراب ما فيه الا الخراب، وفساد ما فيه الا الفساد، ومدينة صارت بلا وجه تعيش، وقبائل لم يعرفوا يوما لا دينا ولا وطنا، وساسة خير أوطانهم أرصدةَ بها تقوى مناصبهم.

فأين ذهب ابن ذي اليزن? ذلك الملك الحميري الذي أعطاه كسرى بعض الدنانير قائلا له إنما أرض اليمن أرض شاة وبعير، فيرد قائلا إنما جبال ببلادي ذهب، فيا سيف بعدك لا سيفٌ ولا قلمُ .

كل التاريخ والجمال تأكله بنهم وضراوة حروب وانقسامات مجهولة الهوية ومعروفة النسب وأوضاع رمادية وتمزقات داخلية تجعل من الوحدة والوطن معا وهما لا أساس له:

صنعاء يا أخت القبور ** ثوري فأنك لم تثوري

صنعاء من أين الطريـ ** ق إلى الرجوع أو العبور

يا شمس صنعاء الكسو ** ل أما بدا لكِ أن تدوري؟

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم