نهوض اللغة مهمة الأدب | اليمني اليوم

"العربية" على رأس أولويات 2017

نهوض اللغة مهمة الأدب

وصف جوجول يوماً في حكاياته الساحرة «الأمسيات في قرية قرب ديكانكا» الكثيرين من مبدعي القصة بأنهم يكتبون بلغة تشعرك بأنهم لم يتذوقوا الطعام منذ ثلاثة أيام. هذا الوصف نلاحظه ونحن نطالع كتاباً، وبصفة خاصة رواية، يفشل في شد انتباهنا، أي نصاب معه بعسر القراءة، نحس بأن المؤلف يفتقد إلى شيء ما، لا يملك القدرة التي تجعلنا نواصل حتى النهاية، تغيب عنه تلك اللغة التي تحلق بنا، اللغة التي وللأسف لا يتوقف أمامها الكثيرون الآن، ليسألوا عن طبيعة اللغة الأدبية: جمالياتها ومكوناتها، ودورها في المعمار الروائي، برغم هذا السيل اللانهائي من الإصدارات الحديثة يومياً، وكأننا جميعاً نكتب من دون تذوق الطعام.. نكتب ونكتب، ونقرأ ونقرأ من دون التقاط الأنفاس والسؤال عن طبيعة المادة الأولية للأدب. المفارقة التي يمكن ملاحظتها في ما يتعلق باللغة الأدبية تتمثل في أننا ربما قرأنا رواية مترجمة لا نجد نظيراً للغتها في معظم الصادر من روايات عربية راهنة، والنماذج كثيرة، هل يعني هذا أن بعض المترجمين باتوا يمتلكون لغة أكثر إمتاعية وجمالية من المؤلفين/ المبدعين أنفسهم؟، وماذا عن رونق النص في لغته الأصلية؟. نقرأ المترجم وننسى تلك اللغات الرديئة المتناثرة في رواياتنا الصادرة حديثاً، ولكننا بتنا في زمن لا تحتمل فيه الثقافة العربية التصريح بالأسماء، ولا يجرؤ أحدهم على المطالبة بجائزة للكتاب السيئ، أو أن يردد مع فيرجينيا وولف «أن بعض المؤلفين كالمجرمين» في توصيفها لأصحاب الروايات الرديئة. والنتيجة التي لا يريد أحدهم الإشارة إليها هي أن معظم ما يصدر من روايات الآن تكاد تستخدم اللغة نفسها، ليس بإمكانك أن تتوقف أمام جملة تدفعك إلى وضع الرواية جانباً والاستمتاع بها أو التأمل في ما تختزنه من دلالات، أصبح ما يهيمن على الناشر أن يستمر في العمل، والناقد أن يجامل أو يصمت أو يكتب بلغة اللوغريتمات، والمؤلف أن يكتب باحثاً عن ثيمة جديدة أو غرائبية أو حبكة فانتازية أو قضية حساسة، أما اللغة الأدبية نفسها فلا يفكر فيها أحد. الحال نفسه نجده في أشكال الإبداع كافة، فهناك غياب مماثل للغة الفكرية واللغة المسرحية، واللغة السينمائية، الآن وهنا وعلى ندرة الكتابات الفكرية بإمكانك أن تلاحظ أن القليل منها لا يدفعك إلى التفكير، مجرد معلومات مرصوصة بجوار بعضها البعض، يبدأ الكتاب بنتيجة يخبرك بها «المفكر» منذ الصفحة الأولى ليغرقك في طوفان من المعلومات والإحالات للبرهنة على رأيه، لا يترك لك مساحة للتنفس أو يطرح عليك سؤالا يقضّ مضجعك، ولا مساحة أخرى للحوار مع الأفكار التي تقرأها، ولا يوجد ما بين السطور. هو يطعمك المعلومات حتى يصاب عقلك بتخمة لا تستطيع معها التفكير. هو لا يمتلك لغته الفكرية الخاصة التي تحيط بالقضية التي يناقشها من مختلف جوانبها، ولا يفكر أصلا في لغة قلقة، تلمح أكثر مما تصرح، تؤرق أكثر مما تمنح الطمأنينة. وإذا ذهبنا إلى الدراما: مسرح، سينما وتلفزيون، ستعثر على حوارات مسطحة، بل تتميز بسذاجة لا نظير لها، إذا تأملتها لن تعثر على أي رسالة يود «مبدعها» أن يطرحها عليك، وإذا كانت لديه رسالة ما فلا بد أن يصدعك بها في نهاية العمل بصوت زاعق وصخب لافت، وكأنه يعرف مسبقاً أن المتلقي لا يمتلك تلك الآلة المسماة بالعقل والتي تستطيع كثيراً ونتيجة للارتقاء بنوعية الأعمال الدرامية إدراك المضنون به على غير أهله. والملاحظ هنا أيضاً أن اللغة تفتقد، فضلا عن التكثيف، إلى أي جماليات، والملاحظ مرة أخرى تراجع العامية، فنحن ننسى أو نتناسى أن لغة الفنون المرئية في فترة ما كانت بالعامية باختلاف عاميات الوطن العربي، ولكنها كانت عامية راقية آنذاك، هل نقول أن العامية الآن تمتلئ بشيء ما يقتحمك، شيء خشن، أو عنيف يغيب عنه الذوق، وهل يمكننا أن نتخيل أن مسألة تراجع العامية ستكون مطروحة من قبل البعض خلال السنوات المقبلة؟. اللغة ليست مجرد قواعد ونحو وصرف وطرائق هجاء، اللغة ليست جملاً متراصة، وفقرات متلاحقة يربطها التسلسل المنطقي، اللغة ليست في عدد المتحدثين بها، ولا تكمن مشكلتها الرئيسية في تطعيمها هنا أو هناك بكلمة عامية أو مفردة أجنبية، اللغة حلم وأمل، إشارات وقيم ورسائل وأفكار، اللغة توازن نفسي، وانسجام عقلي، وحاضنة لثقافة وتراث وحضارة الأمة، وإنقاذ اللغة بالدرجة الأولى وقدرتها على تحقيق كل ذلك منوط بالأدب بمعناه الواسع: رواية وقصة ومسرح وسينما وفكر وشعر، أي أن مشاكلها والعقبات التي تواجهها وأساليب التعبير بها وطرائق تجديدها مهمة تقع على عاتق الأدباء. ومن هنا فدراسة أسباب تراجع العربية، والذي نعتقد أنها أولوية في العام الجديد، تبدأ من قراءة نقدية شاملة للمنتج الأدبي خلال العقد الماضي على الأقل، مع بحث ظاهرة أخرى قد تحتاج إلى مساءلة علم الاجتماع الصامت في بلادنا أبداً، ظاهرة تتعلق بسؤال: لماذا نكتب؟، أو على وجه التحديد لماذا يسعى الجميع الآن للكتابة؟، وكأننا استيقظنا فجأة ووجدنا أنفسنا جميعاً جوعى للكتابة؟. الجميع جائعون الآن للكتابة، والأسباب عديدة، الجميع يكتبون الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، والجميع يضعون على صفحاتهم مقولات من هنا وهناك معلقين على حالة سياسية أو وضع اجتماعي أو ظروف اقتصادية في هذا الوطن أو ذاك، والجميع يحاورون الجميع في مختلف القضايا الجادة أو السطحية، الحقيقية أو المفتعلة، والجميع يعبرون عن مشاعرهم ويفضفضون بما يحسون به. أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سياحة ممتدة يوميا وعلى مدار الساعة، وتدريب مستمر على «الكتابة»، لا يخوضه صاحبه لفترة من الزمن إلا ويقرر أن يصدر كتاباً، وربما يسمع نصيحة من هنا أو هناك أو يقرأ إعلاناً عن ورشة للكتابة الروائية فينضم إليها وبعد ذلك نجد أنفسنا أمام «كاتب»/ «روائي»/ «أديب»، وأمام منتج محمل بتلك اللغة السائدة في مواقع التواصل. الأسئلة في ما يتعلق بهذه الظاهرة كثيرة: لماذا هذا الانفجار الكتابي الإلكتروني، والذي انعكس في شكل ورقي لاحقاً؟، ولماذا هذا الحرص على التوجه لإصدار كتاب ورقي برغم ما يظهره هؤلاء من ترفع وربما استعلاء تجاه القراءة الورقية؟، وهل ستغربل هذه الكتابات نفسها في يوم من الأيام؟، أي سيطرد الجيد منها الرديء في الساحة الثقافية، أم أننا على مشارف مرحلة جديدة من الثقافة؟، مرحلة ثقافة الجماهير الغفيرة وفق تعبير جلال أمين، مرحلة ستختفي فيها الثقافة بالشكل الذي عهدناه. يصف البيروفي الحاصل على نوبل ماريو بارغاس يوسا، وهو من أبرز المتنبئين بمرحلة ثقافية جديدة ومغايرة نتيجة لتغول مواقع التواصل، أدب تلك المرحلة بالقول: «سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة. كلمة أدب لن تختفي بالطبع، لكنها ستدل على نصوص هي بعيدة عما نسميه أدباً هذه الأيام». إن انفجار الكتابة أثر بالسلب على المنتج الأدبي، وهذا بدوره أحد أبرز أسباب تراجع اللغة، فضلاً عن ساحة ثقافية لم تطرح فيها مسؤولية الأدب عن الارتقاء باللغة وتجديدها وجعلها مداراً للتذوق الجمالي والتأمل العقلي منذ عقود طويلة، ساحة لا تتوقف عن التباكي على حال اللغة المتدهور، وتلقي مسؤوليته مرة على العولمة، وأخرى على التعليم، وثالثة على وسائل الإعلام، أما «الأدب القومي» الفاعل الرئيسي في هذه القضية فينساه أو يتناساه الجميع ولذلك دلالات بالغة الأهمية يتطلب الاقتراب منها مناخاً آخر لا نمتلك شروطه في الوقت الراهن.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص