معركة تحرير الموصل.. الحسم البطيء | اليمني اليوم

معركة تحرير الموصل.. الحسم البطيء

مع دخولها أسبوعها الحادي عشر، لا تزال حالة اللاحسم تسيطر على معركة الموصل، مع تباطؤ تقدم القوات العراقية داخل أحياء المدينة، وبعد توقفها أسبوعين انطلقت المرحلة الثانية يوم الخميس الماضي في محاولة لحسمها سريعاً وخلال ثلاثة أشهر، وفقاً لما قاله رئيس الوزراء حيدر العبادي. تعود حالة اللا حسم والتباطؤ فيها إلى: *أولاً: عدم الإعداد الكافي لخوض المعركة، وتعدد أطراف القوات المشاركة فيها التي تضم ستة قطاعات من الجيش العراقي، إضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب، وقوات الشرطة الاتحادية، وقوات الحشد الشعبي، وقوات البيشمركة الكردية وبدعم التحالف الجوي الذي تقوده الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تجاوز حجم القوة المشاركة في تحرير الموصل أكثر من مئة ألف مقاتل، فإنها غير كافية لمواجهة تنظيم «داعش» المتحصن داخل أحياء المدينة، كما أن أغلبيتها، باستثناء الفرقة الذهبية التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، غير مؤهلة أو مدربة على حرب الشوارع والقتال داخل الأحياء في مواجهة عناصر التنظيم التي تجيد التحرك عبر أسلوب الكر والفر، واستخدام الأنفاق والسيارات المفخخة، والقناصة على أسطع المباني لاصطياد القوات العراقية، ما تسبب بوقوع أعداد كبيرة من الضحايا داخل صفوفها. *ثانياً: شكل المدنيون والكثافة السكانية المرتفعة داخل الموصل، التي تزيد على مليون ونصف المليون شخص، أحد أسباب تباطؤ المعركة، فعلى خلاف معركة حلب في سوريا التي استخدم فيها الطيران الروسي النيران بكثافة عالية، وأدت لتدمير شبه كامل للمدينة، ومعاناة سكانها ووقوع مئات الضحايا وآلاف النازحين، فإن القوات العراقية تتجنب استنساخ هذا السيناريو في الموصل، وتعتمد على استراتيجية التقدم الحذر، وتحرير الأحياء الواحد تلو الآخر في محاولة لتقليل الخسائر البشرية بين السكان المدنيين والنازحين، كما أن هذه الكثافة السكانية العالية وتمركز مقاتلي «داعش» بينهم، حد من قدرة وفاعلية الغارات الجوية التي تقوم بها قوات التحالف، إضافة إلى أن تحصينات «داعش» من ألغام وأنفاق، التي تمكنت من تشييدها خلال عامين من سيطرتها على المدينة، قد أعاقت حركة الدبابات والأسلحة الثقيلة، ووضع المدنيين بين رحى نيران القتال بين القوات العراقية وعناصر «داعش»، ما أوقع كثيراً من الخسائر بينهم، فضلاً عن الصدمات النفسية المروعة لدى الأطفال بعد رؤيتهم لمشاهد مرعبة من القتلى والجثث المشوهة بسبب المعارك داخل الأحياء. *ثالثاً: المبالغة في توقيت حسم المعركة قبل نهاية عام 2016 التي انعكست في تصريحات المسؤولين، ومنهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، وبعض القادة العسكريين، وارتكزت على أنها ستكون مثل معارك تحرير، تكريت، والفلوجة، والرمادي التي انسحب منها التنظيم بعد الهجوم عليها واستغرقت وقتاً قصيراً، وأن التنظيم سوف ينهار في الموصل بمجرد تدمير دفاعاته الأمامية، لكن هذه الآمال تبددت مع دخول المعارك أسبوعها الحادي عشر وانتهاء المرحلة الأولى التي لم تتحقق فيها نتائج كبيرة سوى تحرير ربع الأحياء الشرقية للمدينة، مع توقف التقدم على المحاور الأخرى، بل إن بعض الأحياء التي تم تحريرها شهدت تجدداً للقتال مرة أخرى بسبب خلايا التنظيم النائمة فيها، كما أن معركة الموصل بالنسبة للتنظيم أصبحت مسألة حياة أو موت، بعد تطويق المدينة وحصارها من كل الجهات، خاصة من الجانب الغربي بعد السيطرة على قضاء تلعفر ومطارها، وقطع خطوط التواصل بين الموصل والرقة في سوريا، ولم يعد أمام التنظيم سوى القتال حتى النهاية، خاصة مع طلب زعيمه أبوبكر البغدادي في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من عناصره البقاء والقتال لآخر لحظة، وهو ما انعكس في استخدام «داعش» لكل ما يمتلكه من أسلحة، وأنفاق، وألغام، وسيارات مفخخة، تجاوزت الألف سيارة، والطائرات من دون طيار المزودة بالقنابل، إضافة لاستخدام المدنيين كدروع بشرية في محاولة يائسة للصمود في هذه المعركة. وتشير معطيات المرحلة الثانية لمعركة تحرير الموصل إلى أن هناك بعض التغيرات الإيجابية التي قد تساعد في سرعة الحسم وأبرزها، إعادة مراجعة الخطط السابقة واستراتيجية الهجوم، والتركيز بشكل أساسي على الجبهة الشرقية، والجنوب الشرقي للمدينة، وتحريرها أحيائها بالكامل وتركيز القوات المقاتلة، خاصة بعد الحصول على أسلحة وذخيرة جديدة من روسيا لتعويض ما تم فقده في الأسابيع الماضية. كذلك استخدام أسلوب الصدمة لعناصر التنظيم، وتطويق الأحياء من دون دخولها تجنباً للألغام والسيارات المفخخة، والتقدم حتى الضفة الشرقية لنهر دجلة، واستخدام طائرات الهليكوبتر بدلاً من الطائرات الحربية المقاتلة لاستهداف مواقع التنظيم، وتحصيناته داخل الأحياء بشكل نوعي مركز، وتثبيت التمسك بالأحياء المحررة وتنظيفها من خلايا التنظيم النائمة، إضافة لمشاركة قوات أمريكية برية لأول مرة في المعركة، بعد أن اقتصرت المشاركة الأمريكية على الغارات الجوية في السابق، حيث يشترك نحو 1700 عسكري أمريكي عبر مجموعة صغيرة مرافقة للقوات العراقية المهاجمة، وتزويدها بالمعلومات اللوجستية، وتقديم الخبرة والمشورة بشأن التعامل مع الألغام والسيارات المفخخة، لكن من دون أن تشترك بشكل مباشر في القتال، وقد ساهمت تلك الاستراتيجية في تحرير بعض الأحياء، مثل القدس والانتصار. لكن نجاح المرحلة الثانية في حسم المعركة الموصل يتطلب تحقيق وحدة القيادة والسيطرة على القوات المشاركة، وإجراء عملية الاقتحام في وقت واحد على المحاور كافة، وعدم إعطاء الفرصة لعناصر «داعش» لتنظيم صفوفها وانتشارها في الشوارع والأحياء، والعمل على قطع خطوط الاتصال الاصطناعية التي تقيمها بين ضفتي نهر دجلة، بعد قصف جسوره الخمسة من قبل التحالف، لمنع وصول الإمدادات العسكرية والبشرية إليه، كذلك زيادة عدد القوات العراقية من الجيش والشرطة وتدريبها بشكل مكثف على خوض حرب الشوارع، والتعامل مع ألغام وأنفاق التنظيم، والاعتماد بشكل أكبر على الجانب الاستخباراتي والمعلوماتي، والإنزال الجوي، وتحصين الأحياء المحررة، إضافة إلى العمل على تخفيف المعاناة الإنسانية للسكان، خاصة النازحين الذين تجاوز عددهم 140 ألف نازح، وهو ما يفوق السعة الاستيعابية للمخيمات التي تصل ل125 ألف نازح، ويعانون ظروفاً صعبة مع اشتداد برد الشتاء القارس، ونقص المياه والغذاء، وأماكن للإيواء، وذلك بإنشاء مخيمات جديدة، وتوفير كل المساعدات اللازمة وزيادة النسبة المخصصة لها من ميزانية الدولة لمواجهة الأعداد المتزايدة من النازحين، مع اشتداد المعارك، وإلى جانب ذلك أهمية أن يكون الحل العسكري متزامناً مع رؤية سياسية واضحة لمرحلة ما بعد التحرير. وعلى الرغم من أن الانتصار سيكون في النهاية المطاف لمصلحة القوات العراقية، في ظل الظروف الإقليمية والدولية الجديدة بعد تحرير مدينة حلب من عناصر «داعش»، وتغير الموقف التركي باتجاه التحالف مع روسيا لمقاتلة «داعش»، إلا أن طول أمد المعركة واستمرار حالة اللا حسم، وتحولها لحرب استنزاف يصب في مصلحة التنظيم في ظل تصريحات قائد قوات التحالف الدولي ستيفن تاونسند، بأن عملية الموصل ضد التنظيم الإرهابي قد تستغرق عامين من أجل تحريرها، كما أنه يزيد من التكلفة البشرية والعسكرية العالية. خبير العلاقات الدولية في «الأهرام»

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص