الفوضى «هدف استراتيجي» للتدخلات الإقليمية والدولية في المنطقة العربية | اليمني اليوم

الفوضى «هدف استراتيجي» للتدخلات الإقليمية والدولية في المنطقة العربية

أكد مفكرون وخبراء استراتيجيون مصريون أن غياب أجندة استراتيجية عربية لمستقبل المنطقة، جعلها مطمعاً لاستراتيجيات قوى إقليمية وعالمية، مطالبين جامعة الدول العربية القيام بدورها في حماية المنطقة العربية ودولها من الأطماع الخارجية التي تستهدف إشاعة الفوضى. وشددوا على ضرورة التكاتف العربي لرفض ومواجهة أي تدخل خارجي في الشأن العربي الداخلي، مشيرين إلى أن مثل هذه التدخلات تؤدي حتماً إلى عدم استقرار المنطقة، لأن هذه القوى تتحرك في المنطقة بحسب أجنداتها ومصالحها، التي تتعارض بالضرورة مع المصالح القومية العربية، خاصة أن تدخلات هذه الدول تقوم على أسس مذهبية مثل إيران، ومصالح توسعية مثل تركيا، واختطاف دول في المنطقة في إطار صراعاتها الدولية مثلما تفعل روسيا، في سوريا. يقول الدكتور عمار علي حسن الخبير السياسي إن روسيا وإيران وتركيا تسعى بكل ثقلهم السياسي والعسكري إلى الهيمنة على المنطقة العربية، كل على حسب أجندته الخاصة، مشيراً إلى أن تركيا تنظر إلى المنطقة العربية، باعتبارها امتداداً لإمبراطورتيها العثمانية، التي سقطت بعد الحرب العالمية الأولى فتريد إعادة نفوذها على تلك المنطقة، وهو ما ظهر في دعم أردوغان للتيارات الإسلامية للوصول إلى الحكم في دول الربيع العربي مثل مصر وتونس، لتكون قادرة على تحريك قرارات هذه الدول من إسطنبول، مؤكدا أن أردوغان لم يتخل عن هذا الحلم بعد. وأضاف عمار إن إيران تسعى إلى بسط نفوذها على المنطقة، من خلال نشر مذهبها في الدول العربية أو تكوين نخب سياسية داخل هذه الدول تتناسب سياستهم مع الرؤى الإيرانية التوسعية. وأوضح أن التدخل الروسي في المنطقة العربية، خاصة في سوريا جاء سعياً لإعادة مجد الاتحاد السوفييتي، وملء الفراغ الذي سببه انسحاب أمريكا ونفض يدها عن مشاكل الدول العربية، مشيراً إلى أن مصالح الدول الثلاث المختلفة هي التي دفعتهم إلى التواجد في سوريا عسكرياً وسياسياً، «فالمصالح تتصالح» بين القوى الثلاث، لكن هذا التفاهم والتناغم لن يستمر إلى الأبد، بسبب اختلاف الرؤى الاستراتيجية لكل دولة التي ترغب في أن تحققها في النهاية. ويشير د. عمار علي حسن إلى أن إيران تسعى إلى استغلال روسيا في تحقيق مصالحها في سوريا، كما استغلت من قبل أمريكا لتعزيز تواجدها بالعراق، مبيناً أن المشروع الإيراني في المنطقة العربية واضح، وهو تصدير ثوراتها إلى الدول المجاورة، فمنذ تحولها من الثورة إلى الدولة، وهي تسعى إلى أن يكون العالم العربي تحت نفوذها، وتحقق لها ذلك جزئياً في العراق وسوريا واليمن، وتريد تطويق دول الخليج لإحداث تفوق إيراني كاسح في المنطقة. ودعا عمار إلى ضرورة أن تدرك الدول العربية خطورة الوضع الحالي والعمل على إنشاء كتلة عربية حية تقاوم المشروعين التركي والإيراني، ويكون ذلك تكتلاً بقيادة كل من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات والجزائر، موضحاً أهمية دور مصر في هذا التحالف العربي، لما تمثله من قوة عسكرية هي الأقوى بين الدول العربية وتعدادها السكاني الكبير، إضافة إلى أن هذا هو دور مصر عبر التاريخ في الوقوف في وجه الأطماع الإقليمية والدولية التي تسعى للمساس بالأمن العربي. تفتيت سوريا وأشار الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومدير معهد البحوث والدراسات العربية إلى أن أي تدخل في المنطقة العربية مرفوض تماماً، سواء أكان ذلك التدخل إقليمي متمثلاً في كل من إيران وتركيا أو دولياً متمثلاً في أمريكا وروسيا. وأضاف: إن هذه الدول لا تهدف من تدخلها في الشأن العربي إحداث توازن في المنطقة العربية، وإنما تسعى من وراء تدخلها إلى مصالحها الخاصة، مشيراً إلى أي نوع من هذا التدخل قد يحدث آثاراً إيجابية مؤقتة في الدول العربية، لكن يظل المبدأ العام الاستراتيجي هو أن هذه التدخلات لا تصب في صالح المنطقة، وإنما في صالح الدول المتدخلة، مشيراً إلى أن المستفيد الوحيد من التدخل الروسي الإيراني التركي في سوريا هو النظام السوري فقط، فقد ساعدته هذه القوى في القضاء على المعارضة، سواء أكانت مسلحة أو غير مسلحة وبسط نفوذه على الكثير من الأراضي السورية التي خرجت عن سيطرته. وأوضح د. أحمد يوسف أحمد أن روسيا اليوم تحاول من خلال تدخلها في الشأن العربي السوري إلى تعظيم وضعها الدولي، والمحافظة على مصالحها في سوريا، التي يقدمها لها النظام الحالي دون عقبات، لافتاً إلى أن هذا التدخل قد منح روسيا ميزات كبرى منها أنها قد بدت أمام العالم بوصفها المتحكم الوحيد في الصراع السوري، مما أعطاها ثقلاً كبيراً في المحافل الدولية، إضافة إلى ميزة إمكانية لعب هذا الدور نفسه بلدان عربية أخرى مثل ليبيا، ولتكون بذلك قد استعادت جزءاً من دورها الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي باعتبارها وريثته، موضحاً أن روسيا لا يعنيها تفتيت سوريا بالأساس بقدر مصالحها صراعات غير مسبوقة وأشار الدكتور كمال حبيب الكاتب والمحلل السياسي إلى أن أخطر ما يهدد المنطقة العربية لم يعد انهيار النظم السياسية، وإنما الدخول في نسيج هذه المجتمعات القديمة، وعدم اعتراف كل طائفة بأخرى وتأزم التعايش السلمي فيما بينها، كما كان الأمر من قبل. وأكد حبيب أن الدور الإيراني يؤجج الصراعات في المنطقة، مما جعل بعض البلدان العربية عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بسبب الدعم الإيراني لجموع شيعية فيها، مما أرغمها على الدفاع عن نفسها بالقوة. وأضاف حبيب: أنه مع غياب رؤية عربية موحدة حدث فراغ كبير في المنطقة وجعلها مطمعاً لرؤى إقليمية ودولية. وأضح حبيب أن الإدارة الأمريكية أعطت الضوء الأخضر لروسيا في قيادة المنطقة، خاصة مع وجود دعوات لتدخل روسي في ليبيا، كما حدث في سوريا؛ حيث باتت روسيا بالنسبة للكثير من العرب أكثر جدية في الحرب على الإرهاب، لافتاً إلى أن روسيا تستخدم المنطقة العربية كورقة ضغط على المجتمع الدولي من أجل مصالحها في كل من أوكرانيا وجزيرة القرم ورفع العقوبات الدولية عنها. التنافس السياسي وأكد الدكتور محمد مجاهد الزيات مدير المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عدم وجود أي احتمالية لصراع مسلح بين كل من إيران وتركيا وروسيا في المنطقة العربية، مشيراً إلى أن التحالف القائم بينهم قائم على مصالح خاصة بالدرجة الأولى في سوريا؛ حيث تلتقي هذه المصالح في نقاط معينة وتتناقض في نقاط أخرى في دولة من الدول الثلاث استراتيجية تخصها وحدها دون الدولتين الأخريين، موضحاً أن تركيا تهدف من تدخلها في الشأن العربي السوري لعدم السماح للأكراد بإقامة وطن لهم على حدودها الشمالية، وما ينجم عن هذا الكيان من نتائج متوقعة متمثلة في تشجيع أكراد جنوب تركيا على التمرد وربما العودة إلى حمل السلاح ضد الدولة التركية رغبة في الوصول إلى المناطق، التي يزعمون أنها «أرضهم التاريخية» في شمالي سوريا، وجنوبي تركيا، وصولاً إلى استنساخ تجربتي أكراد العراق وحراك أكراد سوريا. وأضاف الزيات: إن هناك خلافاً بين روسيا وتركيا من جانب وإيران من جانب آخر حول مدى السماح للنظام الحاكم في سوريا في السيطرة على الأراضي السورية وحول تصفية كل الفصائل المعارضة هناك. وأوضح الزيات أن مصلحة إيران من تدخلها في الشأن العربي هو السيطرة عليه، ومد نفوذها داخله، من خلال سيطرتها على كل من العراق وسوريا وتطلعها للسيطرة على لبنان من خلال حزب الله، كي تصبح لها الكلمة العليا في المشرق العربي لمواجهة التحالف السعودي القطري، الذي يراهن كثيراً على تركيا كسند لهما في مواجهة تلك التطلعات الإيرانية في المنطقة. ولفت الزيات إلى أن الخلاف المذهبي بين تركيا السنية وإيران الشيعية يقف في وجه التطلعات العسكرية لإيران بالمنطقة، التي تعتبر نفسها حامية للأقليات الشيعية في الدول العربية، في مقابل تركيا الحريصة على علاقتها الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج، لإظهار نفسها كمدافع عن المذهب السني. وأشار الزيات إلى أن روسيا تلعب دورها في سوريا بناء على أرضية مشتركة بينها وبين الإدارة الأمريكية الجديدة، التي تجعل في مقدمة أولوياتها محاربة الإرهاب، مشيراً إلى التنافس بين القوى الثلاث على الشأن العربي هو تنافس سياسي بالأساس، لذا من غير المتصور حدوث أي مواجهات عسكرية بين تلك القوى في المستقبل، لافتاً إلى أن هذا التدخل لن يحدث أي توازن في المنطقة، ولن يؤدي إلى نوع من أنواع الاستقرار داخلها. مؤشر خطر وأكد الدكتور خالد عكاشة الخبير الأمني أن التحالفات الأجنبية للتدخل في الشؤون العربية، لا تهدف بأي حال إلى إضفاء استقرار داخل دول المنطقة، لأنها تعمل على تعميق الصراعات، موضحاً أن الدول المتصارعة هي من أدخلت حروب الوكالة إلى المنطقة؛ حيث تسعى كل منها إلى إيجاد مجموعة من الميليشيات أو التنظيمات الإرهابية تحارب من أجل أهداف هذه الدول، وتربط هذه التنظيمات مصيرها بمصير الدول، بعيداً عن المصالح الوطنية. وأضاف عكاشة: إن تدخلات روسيا في المنطقة العربية تأتي انطلاقاً من الأدبيات الروسية السياسية، وحلمها بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وشواطئه، ومصادر الطاقة الموجودة به، وكذلك ملء الفراغ، الذي أحدثه انسحاب أمريكا من المنطقة. وأوضح عكاشة أن روسيا لا يعنيها النظام السوري الحالي في أي شيء، وهي تعلم مدى هشاشته، وكذلك الجرائم التي ارتكبها في حق المدنيين، مؤكداً استعداد روسيا لبيع النظام السوري في أي لحظة، إذا ما وجدت مصالحها مع أي فصيل معارض له. وأكد عكاشة أن الدور الإيراني هو السبب الرئيسي في الأزمة العربية من خلال تعميقها للخلافات المذهبية، وإدارتها للحروب الوكالة، ودعمها لبعض الميليشيات الإرهابية في الدول العربية، رغبة في خلق فوضى مستمرة من أجل تحقيق أهدافها المعلنة للسيطرة على القرار السياسي العربي. وأشار عكاشة إلى أن «إسرائيل» تنأى بنفسها في الوقت الراهن عن هذه الصراعات حتى لا يطولها أي توتر داخلي يكون له عواقب وخيمة عليها، لأنها دولة احتلال بالأساس، ولذا تعمل على تحصين نفسها عسكرياً وسياسياً، مضيفاً: إن مصالح الدول المتدخلة في الشأن العربي تتقاطع مصالح «إسرائيل»، ما يجعلها تراقب الوضع العربي والدول المتدخلة عن كثب وبشكل براجماتي، منوهاً بأنه من الوارد أن تشارك «إسرائيل» كل من روسيا وإيران وتركيا في التدخل في سوريا في الوقت القريب، إذا اكتشفت أن الوضع في سوريا ليس في صالحها.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص