"إسرائيل " تجتاح إفريقيا.. أين العرب؟ | اليمني اليوم

"إسرائيل " تجتاح إفريقيا.. أين العرب؟

في الثاني عشر من يونيو/ حزيران الجاري، عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً غير عادي، برئاسة الجزائر، بناء على طلب المندوب الفلسطيني، لبحث سبل مواجهة التغلغل «الإسرائيلي» في القارة الإفريقية، وصياغة الآليات اللازمة لضمان تأييد الأفارقة للمصالح والقضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا الاجتماع - الذي لم يكن الأول من نوعه - جاء بعد سلسلة من التحركات التي قامت بها «إسرائيل» مؤخراً في إفريقيا، التي تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، بما يوجب على العرب التحرك العاجل قبل أن يصل التغلغل «الإسرائيلي» في القارة إلى وضع تستعصي معه المواجهة. لم تغب إفريقيا يوماً عن وعي قادة «إسرائيل»، منذ الارتباط القديم بين الحركة الصهيونية وحركة الجامعة الإفريقية؛ حيث وقع اختيار الحركة الصهيونية على أوغندا كوطن قومي ل «إسرائيل» قبل الاستقرار على فلسطين. وكانت ليبيريا هي ثالث دول العالم اعترافاً ب «إسرائيل». كما قامت الجاليات اليهودية في القارة، خاصة في جنوب إفريقيا، بدور فاعل في تقديم الدعم اللازم للكيان الوليد. وكانت «إسرائيل» أول دولة أجنبية تفتتح سفارة لها في غانا في عهد رئيسها الأسبق كوامي نكروما. ظلت القارة الإفريقية واحدة من أهم دوائر حركة السياسة الخارجية «الإسرائيلية» بعد قيام «إسرائيل» عام 1948. وسعت «إسرائيل» لتوثيق علاقتها بالدول الإفريقية لتنفيذ مخططات عديدة أهمها: تطويق الدول العربية الواقعة في شمال إفريقيا بحزام من الدول الإفريقية المساندة لها، والسعي لتفتيت الدول العربية، مثلما يحدث حالياً في السودان، والتأثير بالسلب على الأمن المائي والغذائي العربي، ومراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر. والحصول على نصيب وافر من الأسواق والثروات الطبيعية الإفريقية، ودعم المخططات الأمريكية الغربية في القارة. واكتساب التأييد الإفريقي في المحافل الإقليمية والدولية، خاصة أن الدول الإفريقية تمثل الكتلة التصويتية الثانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد الكتلة الآسيوية، بمجموع 54 دولة. كما أنها تشغل ثلاثة مقاعد غير دائمة في مجلس الأمن الدولي. وفي سبيل تنفيذ تلك المخططات، تمزج «إسرائيل» بين العديد من الأدوات التقليدية والمداخل غير التقليدية. بالنسبة للأدوات التقليدية، فأهمها تبادل التمثيل الدبلوماسي مع نحو 45 دولة إفريقية، وإن كانت غالبيتها تعتمد على التمثيل غير المقيم. وتنظيم الزيارات الدورية للدول الإفريقية، منذ جولة رئيسة الوزراء «الإسرائيلية» جولدا مائير إلى غرب إفريقيا عام 1958، مروراً بجولة وزير الخارجية السابق أفيجدور ليبرمان بدول منابع النيل عام 2009، وصولاً لجولة رئيس الوزراء بنيامين نيتنياهو في دول منابع النيل والجنوب الإفريقي في يوليو/ تموز 2016. هذا فضلاً عن تقديم المساعدات للدول الإفريقية، خاصة في مجالات الزراعة والري والطاقة. وكذا تزويدها بالسلاح وتدريب عناصر القوات المسلحة والشرطة والطلاب الأفارقة. أما المداخل غير التقليدية، فأهمها المدخل العقدي والثقافي والرياضي والإقليمي. وهي مداخل بالغة التأثير في تعزيز النفوذ «الإسرائيلي» بالقارة. فعن طريق المدخل العقدي، تقوم «إسرائيل» بخلق روابط فكرية بين اليهود والشعوب الإفريقية، خاصة الجماعات الإثنية المؤثرة مثل الأمهرة في إثيوبيا، والدينكا في جنوب السودان، والإيبو في نيجيريا. ومن خلال المدخل الثقافي، يتم الترويج لأساطير وغيبيات تزعم وجود آثار لليهود في الدول الإفريقية؛ حيث توثق «إسرائيل» هذه الكيانات لدى المنظمات الدولية المعنية، لتوفير الحماية اللازمة لها كتراث للإنسانية. مثلما هي الحال بالنسبة لمقام (أبو حصيرة) بمحافظة البحيرة بمصر. وبالنسبة للمدخل الرياضي، فهو يعتمد على إقامة معسكرات ب «إسرائيل» لتدريب الشباب الإفريقي في المجالات الرياضية المختلفة، وغرس محبة «إسرائيل» في نفوسهم، وتسويق المتميزين منهم لأوروبا والولايات المتحدة. ومن أهمها معسكرات (حبقوق)، التي سميت كذلك نسبة لأحد أنبياء بني «إسرائيل». أما المدخل الإقليمي، فمن خلاله تسعى «إسرائيل» لاختراق التنظيمات الإقليمية القائمة، التي تضم دولاً عربية وإفريقية وأهمها الاتحاد الإفريقي، مع الترويج لكيانات إقليمية جديدة تعتمد على أطر جغرافية- سياسية واسعة مثل مشروع الشرق أوسطية ومشروع الأخدود الإفريقي العظيم. وقد عبر الرئيس «الإسرائيلي» السابق شيمون بيريز عن ذلك صراحة في كتابه المعنون «عرب نعم وشرق أوسطيون أيضاً». لم تمل «إسرائيل» من تكرار محاولات اختراق القارة، وقد ازداد هذا التوجه بعد اكتساب فلسطين لعضوية اليونيسكو، وحصولها على صفة العضو المراقب بالبرلمان الإفريقي عام 2017؛ لذا كان الاجتماع غير العادي لمجلس الجامعة العربية، الذي جاء نتيجة لأربعة متغيرات على الأقل. أول هذه المتغيرات هو استئناف المسعى «الإسرائيلي» للحصول على صفة العضو المراقب بالاتحاد الإفريقي. والثاني هو مشاركة نيتنياهو في قمة الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ايكواس) بليبيريا في يونيو/ حزيران الجاري، في حدث وصفته صحيفة «معاريف» بأنه قفزة كبيرة ل«إسرائيل». والثالث هو الإعلان عن عقد قمة «إسرائيلية» - إفريقية في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل في لومي، بمبادرة من الرئيس التوجولي؛ وذلك لوضع أسس لشراكة استراتيجية بين «إسرائيل» وإفريقيا، وأخيراً سعي «إسرائيل» لكسب التأييد الإفريقي للحصول على مقعد غير دائم بمجلس الأمن الدولي لعامي 2020/2019، بعدما انتزعت رئاسة لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدما فاز مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة في مايو/ أيار 2017 بمنصب نائب رئيس الدورة ال72 للجمعية العامة، التي ستعقد في سبتمبر/ أيلول المقبل. لذلك قرر مجلس الجامعة العربية صياغة خطة للتحرك تتضمن عدداً من المحاور أهمها: وضع بند دائم يتعلق بدعم القضية الفلسطينية ومواجهة التغلغل «الإسرائيلي» على جداول أعمال الفعاليات العربية والإفريقية، وتنظيم زيارات دورية لوزراء الخارجية العرب للدول الإفريقية المؤثرة، وتأسيس آلية مشتركة بين جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي لتنسيق المواقف قبل التصويت على القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والتصدي لترشيح «إسرائيل» لعضوية مجلس الأمن، وحث الدول الإفريقية على عدم المشاركة في القمة الإفريقية «الإسرائيلية» المزمع عقدها في توجو. لكن خطة التحرك العربي تجابهها تحديات جسيمة، أهمها: تمسك الأفارقة بإقامة علاقات قوية مع «إسرائيل»، حتى ولو كانت سرية، بغية تحقيق مكاسب سياسية وأمنية أعمق في مداها وتأثيرها من الدعم الاقتصادي العربي، خاصة أن ذلك يعد مدخلاً لعلاقات قوية مع الولايات المتحدة. كما أن وجود علاقات بين «إسرائيل» وبعض الدول العربية يثير سؤالاً مهماً لدى الأفارقة، بشأن الدافع الذي يجعلهم ملكيين أكثر من الملك؟ كما أن تركيز الدول العربية على المسار الرسمي للعلاقات، وعدم خلق روابط ثقافية مستمرة، أو تدعيم العلاقات الشعبية مع الأفارقة، يقلل من المردود السياسي لسلاح المعونات الذي دأب العرب على استخدامه في القارة. وبعد، فإن أحداً لن يمكنه أن يمنع «إسرائيل» من توثيق علاقاتها بالقارة الإفريقية. وهو ما يجعل الكرة في الملعب العربي، لتصبح القيادات العربية مطالبة بالتحرك لتحقيق وتعظيم المصالح العربية بالأساس، وسد الفراغ في الفضاء الإفريقي الواسع، الذي تسعى «إسرائيل» لشغله، في عالم لا يعترف إلا بلغة المصالح. * نائب مدير مركز دراسات حوض النيل (معهد البحوث والدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة)

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص