كلام في الانقلاب والغزو (1-2) | اليمني اليوم
كلام في الانقلاب والغزو (1-2)

المعروف والمحسوم أمره سياسياً واجتماعياً ووطنياً أن العدوان الخارجي، الغزو ، الاحتلال ، الاستعمار ، دائماً هو من يوحد الجبهة الوطنية الداخلية ضد الخارج .

وجميع الجبهات الوطنية المتحدة في التاريخ السياسي العالمي وجدت وتشكلت في مواجهة العدوان والاستعمار ، وانصع تجربة وطنية يمنية هي كيف توحد اليمنيون في جنوب الوطن ضد الاستعمار البريطاني "الانجلو سلاطيني" الذي شاركت فيه جميع فئات وشرائح وطبقات المجتمع في الجنوب ومن الشمال- باستثناء قلة من المرتزقة وعملاء الاستعمار من المخبرين .

والدليل السياسي الوطني الآخر هو كيف توحد اليمنيون في الشمال ومن كل الجنوب في مواجهة العدوان على الثورة والجمهوورية السبتمبرية 62-1968م ، وكيف تشكلت الجبهة الوطنية اليمنية في صورة "المقارمة الشعبية" في كل اليمن لمواجهة الإمامة وفلول الملكيين وجحافل الرجعية العربية والاستعمار في صورة الآلاف من المرتزقة في عدوانهم على ثورة 26سبتمبر 1962م ، وتمكن اليمنيون ،بوحدتهم في صورة جيش ناشئ حديث ومقاومة شعبية لا يتجاوز عددهم معاً أكثر من ثلاثة الآف وخمسمائه مقاتل ،من الدفاع عن الثورة والجمهورية وإسقاط الحصار على صنعاء في السبعين يوماً في صورة ملحمة سياسية وطنية كفاحية يمنية خالدة .

فلماذا هذا المسمى "غزواً/عدواناً" في صورة التحالف العشري الداعم للشرعية لم يقابل ويواجه بتلك الوحدة السياسية والاجتماعية والشعبية والوطنية؟! هذا سؤال مفتوح لنا جميعاً ، وأردفه بسؤال آخر : لماذا اسُتقبل هذا التحالف العدواني العشري "الغزو"بشعار "شكراً سلمان" ، وغيرها من الشعارات الداعمة لذلك التحالف والحضور .

وما يزال ذلك الشعار مرفوعاً ويتردد صداه حتى اللحظة في الكثير من المحافظات اليمنية (شمالاً وجنوباً) !! هل الخلل في وعي ونفسية وإدراك الناس ؟!

وهل هذا الخلل في بنية وعي وتفكير الناس يعكس ضعف وعيهم وانتمائهم الوطني؟! ، أم هو خلل في منطق تفكير النخبة السياسية ؟! أو أن هناك أموراً سياسية وتحولات لم نقدم على مطالعتها ، ومطلوب منا أن نضعها تحت مبضع التشريح والتحليل السياسي العلمي النقدي لنصل لقراءة أعمق وأشمل حولها وحول ما يجري ؟!! قد لا أكون شخصياً من المؤيدين لشعار ، "شكراً سلمان" ، ولكن تلك تبقى قراءتي الذاتية وقناعتي الشخصية ، على أن الحقيقة إلتي تفقأ العين وتخدش الحياء السياسي للبعض ،هو أن ذلك الشعار "شكراً سلمان" ، ما يزال يردد ويتردد في الكثير من المحافظات اليمنية شمالاً وجنوباً ، شئنا أم أبينا ، اتفقنا معه أم اختلفنا ، وعلينا أن نجيب على ذلك السؤال وغيره ونحن نتحدث عن "الغزو" ، والعدوان ، والتحالف العشري العدواني ، على الأقل أن ذلك من حق القارئ علينا !! أما أنا فأقولها بوضوح إنني لا أملك حتى اللحظة إجابة شافية وافية حولها ، وهي هنا دعوة للحوار لا أقل ولا أكثر ،علما أن هناك قطاعاً عظيماً من السكان اليمنيين (من الشعب اليمني) من يرى أن التحالف جاء بطلب سياسي قانوني دستوري لدعم الشرعية السياسية الوطنية والتوافقية والتي جرى الانقلاب عليها بالقوة العسكرية ، وهي الشرعية التي يعترف بها الغالبية العظمى من الداخل الوطني اليمني وجميع الهيئات والمنظمات الاقليمية والدولية باستثناء بعض دعاة السلام الذين يذهبون للمساواة بين الشرعية والانقلاب حتى غداً ذلك شغلهم الشاغل اعتقد أننا بحاجة للقراءة السياسية النقدية لكل ما يحصل ، بعضها يستدعي إجابة سياسية سريعة ، وبعضها نتركها للاجتهاد الذي يثري معنى الحوار والخطاب حول الحرب والسلام ، وبعضها نتركها للقراءة المعمقة النقدية التاريخية لتقرأ المسكوت عنه في كل ما يجرى ويحصل اليوم في بلادنا ، وغداً ستكون للتاريخ كلمته ، الذي قد يكشف زيف أو مكر بعض الكتابات المداورة والمراوغة ، بين الشرعية والانقلاب . كان الغزو والعدوان والشهيد هو من يوحد كل الوطن في المواجهة والمقاومة ، واليوم في التوصيف السياسي والاعلامي والخبري وكل من موقعه ، هناك : شهيد وشهيد ، مقبرة ومقبرة ، مسجد ومسجد ، مقاومة ومقاومة .

حقاً لقد انتج الانقلاب ، في صورة تحوله إلى حرب شاملة (لا وطنية) على الداخل الوطني ، حالة من الانقسام السياسي والاجتماعي والوطني ، تجلت في ما يسميه البعض "العدوان الخارجي" ، و"الغزو" ، والذي كما يبدو لم يكن مقنعا ومفهوماً ومقبولاً لدى القطاع الواسع من أبناء اليمن . وهنا نجد أنفسنا أمام صيغة اجتماعية سياسية وطنية جدلية بحاجة إلى تقديم قراءة وكتابة تشريحية نقدية لكل ما يجرى اليوم إزاء مكونات الداخل ، وأطراف الخارج الاقليمي والدولي .

في تقديري أن هناك من يعلن عن بعض ملامح صورته الأيديولوجية والسياسية ولو من بعيد ، وعلى استحياء أي دون إطار رؤيوي لما يريد أن يقوله بوضوح ، وهو ما يتجلى في صورة الحديث عن العدوان والغزو ، وصولاً لشعار "السلام" التوفيقي بين الأطراف المتقاتلة أو المتصارعة للوصول إلى تسوية سياسية على قاعدة المحاصصة الجهوية والطائفية ، أو على قاعدة مبادرة جون كيري –وزير الخارجية الأمريكي الأسبق - حول الأقلية الدينية "سنة/ شيعة" الهادفة إلى تكريس منطق الصراع الاقليمي المذهبي / الطائفي في اليمن .

وكل هذه المبادرات "السلامية" تقَّدم نفسها دون رؤية سياسية وطنية برنامجية للحل ، ودون مرجعيات محددة ملزمة ، وبلا خارطة طريق توضح مضمون وحقيقة هذا السلام .. والأهم ، أن بعض دعاة السلام يقفون عند النتائج الإنسانية الكارثية للحرب ولا يقولون شيئاً عن مقدمات الحرب !! ولا علاقة لخطابهم "السلامي" بمن أوصل البلاد إلى هذا النتائج !! بل ويرفضون بالتبعية لهذا المنطق الأعوج الأعرج ربط الأسباب بالنتائج لتقديم معرفة واقعية لما جرى وما يزال يجري!! وفي نفس الوقت يرفضون و لا يقبلون بلعب دور سياسي في اقناع الطرف الانقلابي بالعدول ، على الأقل ، عن جزء من انقلابه في صورة تقديم تنازلات سياسية على طاولة الحوار والمفاوضات ، ولا هم يطالبونه ويدعونه للتحول إلى حزب سياسي كشرط للقبول بالحوار معه.

ويقودنا سياق الأحداث ومضمونها منذ الانقلاب إلى الآن أنه مادام وهو يمتلك ترسانة دولة من السلاح القادم من الخارج ، إلى جانب سلاح الدولة المختطفةً ومؤسساتها وريعها ، فلن يقبل بالسلام وبالحوار ، إلا فق الشروط التي تبقيه على ما هو عليه . ولذلك يرفض دعاة "السلام" الضغط الميداني / العسكري بحجة الآثار السلبية اللا إنسانية للحرب .

فهل المطلوب أن نبقى في حالة ازدواجية السلطة القائمة بين صنعاء / وعدن ؟! أو انجاز تسوية سياسية على قاعدة الانقلاب واستمراره في صيغ أخرى ؟!! علما أن جميع المبادرات الوطنية والاقليمية والدولية رفضتها الجماعة الانقلابية من جنيف"1" وجنيف"2" والكويت في حوار دام لأكثر من ثلاثة أشهر ، إضافة إلى مبادرات الشرعية حول مدينة الحديدة .. ومينائها منذ أكثر من سنة ، حتى مبادرة المبعوث الأممي الأخيرة حول الحديدة جميعها ترفض من قبل سلطة الانقلاب ، وهم حتى اللحظة متمسكون بخيار الحفاظ على ما تبقى من سلطة الانقلاب بأيديهم والتي تتآكل في كل يوم.

إن البعض ،وباسم خيار السلام وإيقاف الحرب ، يتحفنا ببيانات تنديد ومناشدة من أجل السلام ، وهو قطعاً عمل طيب وجميل نظرياً ، على أن المطلوب إرفاق كل ذلك بخارطة طريق ومرجعيات واضحة محددة حول مفهوم ومعنى السلام المطلوب إنجازه ، وكيف ندخل سياسياً وعملياً إلى انجاز ذلك السلام ؟وهو ما لم نطالعه في كل ما يعرض ويقدم باسم السلام ، ولذلك يشككون بمعركة الساحل الغربي كلها وبالتطورات الميدانية باتجاه المطار والميناء ومدينة الحديدة ، ويرون في كل ذلك وهماً وتكتيك غواية ، بل أن البعض يتجه نحو وصم ذلك بالحرب الأهلية ، مع أن كل التطورات السياسية والعسكرية تقول بوضوح أن لا حرب أهلية ولا حرب طائفية ، ويتجلى هذا المعنى أكثر بعد مقتل الهالك علي عبدالله صالح على يد حلفائه وشركائه في الانقلاب السياسي والعسكري على السلطة الشرعية .

إن محاولة البعض تصوير الحرب السياسية ضد الجماعة الانقلابية الحوثية بأنها حرب أهلية أو طائفية ، كما في بعض الكتابات ، إنما هي محاولة لحرف مسار الصراع السياسي عن مجراه الواقعي ومحاولة لخلط الأوراق ، واللعب على وتر الغرائز البدائية في الوعي الاجتماعي العادي في معركة سياسية وطنية واضحة المعالم ، ولا علاقة لها بمسمى ومضمون الحرب الأهلية إلاَّ في عقول من يتمنونها ، لأن من شروط الحرب الأهلية الانقسام العمودي والافقي الحاد على قاعدة وخلفية : أما مذهبية أو طائفية أو عرقية أو قبلية أو جهوية / مناطقية ، صراع وقتال يتوزع بين طرفي أو طراف الحرب على أساس من تلك الخلفية ، إضافة إلى استعداد الطرفين –لا يكفي طرف واحد- لخوض الحرب على تلك القاعدة ، أو الأساس ما قبل الوطني .

إن جذر الانقلاب من بداياته وحتى تجلياته اللاحقة والراهنة له أهداف سياسية واضحة ، وهو ما تعلنه الجماعة الانقلابية في صورة احتكار السلطة والثروة في جماعة هوياتية صغيرةعنصرية تجد في "الولي الفقية" عنوانها و تعبيرها السياسي .. وهو مشروع سياسي يقف دونه ويقاومه مجموع الشعب اليمني أو غالبيته العظمى ، وهو ما لا يرغب ولا يريد بعض دعاة "السلام" رؤيته والاقرار به !! فأين هي "الحرب الأهلية" التي يبشرنا بها البعض ؟! وأين نجد ونقرأ مفهوم وملامح "الاحتلال والغزو" في صور وأشكال المقاومة للمشروع الايراني في اليمن ؟! مع أن القادة الايرانيين الكبار يعلنون بوضوح ، من أن هناك أربع عواصم عربية تحت الهيمنة الامبراطورية الفارسية : بغداد دمشق بيروت صنعاء !! ولا يقول دعاة "السلام "عن كل ذلك شيئاً !! ومن هنا نعلنها بوضوح أن لا حرب أهلية مذهبية وطائفية أو جهوية أو قبلية ولا حرب "سنة/ شيعة" ، مع أن هناك من يريدها في الداخل والاقليم والعالم أن تكون كذلك .

هي في تقديرنا وباختصار مكثف حرب سياسية من أجل السلطة والثروة ، وإن أراد البعض الباسها بلبوس وأغطية أيديولوجية تحرف الصراع عن مجراه ومداره السياسي الاجتماعي الاقتصادي والطبقي والوطني .

وهذا لا يعني البتة بأننا نلغي البعد أو العامل السياسي عن بقية الحروب المذكورة ،- والتي سنأتي على ذكرها في السياق- قطعاً المشروع الحوثي تنطوي أهدافه الأيديولوجية / السياسية على بعد "إثني" عنصري ، على أن الصراع ما يزال يدور ويتحرك ضمن سياقه السياسي الوطني .

لقد اسمينا الحرب على ثورة وجمهورية 26سبتمبر 1962م بالحرب الجمهورية ضد الملكية والاماميين، حرب الجمهورية والملكية .. فقط الخطاب الأيديولوجي الاستشراقي من كان وما يزال يسميها "الحرب الأهلية" ، بل أن بعض أدبياتنا السياسية تسمى تلك الحرب : بالحرب "الوطنية القومية" بحكم تشابك وتداخل البعد الوطني/ بالقومي فيها ، حيث أكدت الأحداث تدخل الدول الاستعمارية فيها ، بما فيها التدخل الصهيوني الاسرائيلي .

كما أننا كنا وما نزال نسمي الحرب ،بين دولتي الشمال والجنوب، بمسمى "حرب الشطرين" ونسمي الحرب السياسية والعسكرية ضد سلطة صنعاء في سبعينيات حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي، بأنها حرب الجبهة الوطنية مع سلطة صنعاء " وبحرب المناطق الوسطى " أو حرب الجبهة الوطنية ضد السلطة ، ويطلق عليها الخطاب الاعلامي والسياسي لسلطة صنعاء حرب "المتمردين" ونسمي الحرب في صعدة 2004م-2009م "بحرب صعدة" وحرب 1994م بحرب "الوحدة والانفصال" أو حرب إلغاء شراكة الجنوب في السلطة والثروة ، أو بالحرب على الوحدة السلمية بالوحدة بالحرب .

أننا مع مصالحة سياسية وطنية شاملة تكون حقوق الضحايا في مقدمة الأهداف السياسية المرجو تنفيذها على قاعد العدالة الاجتماعية ، والحرية والكرامة الانسانية ، والعدالة الانتقالية هي القاطرة لكل ذلك .

وفي هذا السياق ، نؤكد أن لا حرب خارجية أو تدخل خارجي بمعزل وفي استقلال عن جذر الحرب الداخلية ، وهي حرب بدأتها ، واجتاحت بها الجماعة الحوثية الانقلابية كل الجغرافيا الوطنية اليمنية (شمالاً وجنوباً) .

إن الحرب على الداخل الوطني قهر وظلم الداخل ، كما يقول طرفة بن العبد ، "ظلم ذوي القربي أشد مضاضة" ، وصولاً إلى تهديد هذه الحرب لمصالح دول الجوار ، والأمن القومي العربي ، وهو من استدعى بالضرورة حضور ذلك التحالف الدعم للشرعية ، وبالنتيجة الدفاع عن مصالح دول الجوار ، بعد أن انتقل الانقلاب إلى تهديد العمق السياسي والحدودي لكل دول الخليج ، وإلاَّ ما معنى وتفسير عمل مناورة عسكرية بأسلحة استراتيجية "سكود" وغيرها على الحدود السعودية ؟ وهي حرب بدأت داخلية وغطت مساحة الجغرافيا الوطنية قاطبة بمدنها وريفها، ولم ينل اليمن منها سوى الخراب والدمار العظيم .

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم