رجل الحرب والسلام | اليمني اليوم
رجل الحرب والسلام

لم تكن الدراسة التي صدرت عن باحثين أمريكيين بشأن النائب علي محسن دراسة عابرة عن ما يمثله الرجل من شوكة الميزان في الحياة السياسية والعسكرية في اليمن، فقد سبقتها دراسات وتقارير دولية سابقة، عمل أصحابها كثيراً في اليمن بين عام 2000 وحتى 2020، وكلها تخرج بنفس الخلاصة عن الرجل بما يمثله من ثقل في كافة مناحي الحياة في اليمن.
فالفريق علي محسن يتمتع بعلاقات سياسية وعسكرية واجتماعية واسعة في البلاد جعلت الكثير من المكونات تلتف حوله حتى في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد، فقد جمع حوله كافة القوى المعتدلة من كافة الاتجاهات السياسية والقبلية والتيارات الدينية، حتى تلك التي وقفت في فترات مختلفة موقف العداء له والصدام معه أحياناً، ولم يقف يوماً موقفاً عدائياً أو متمرداً أو صدامياً على ولي الأمر منذ فترة حكم الحمدي وحتى اليوم، بل كان قائداً مهنياً يقف مع دولته ونظامه في كل المنعطفات التي مرت بها البلاد.
حتى في أشد الظروف صعوبة وتقاطعاً مع شخص الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأثناء تأييده ثورة الشباب في 21 مارس 2011 عقب مجزرة جمعة الكرامة التي ارتكبها نظام صالح لم يتمرد على الدولة ويقف موقفاً صدامياً مع الرئيس السابق رغم أنه حاول اغتياله عدة مرات وقصف مقره في الفرقة الأولى مدرع بشكل مستمر وتحالف صالح مع الحوثيين ضد محسن، فقد أبقى علاقته به قائمة للخروج بحل مشرف لليمن من أزمته، وهو ما تم في المبادرة الخليجية التي هيأ محسن لها الأجواء المناسبة لتنفيذها دون أية عوائق رغم رفض الشباب الثائر لها في ذلك الوقت، وتعرض لاتهامات كثيرة بأنه "باع الثورة"، غير أنه مع بقية القوى السياسية أدركوا أن المبادرة كانت أفضل المخارج لليمن لتجنيب اليمن حرباً أهلية.
عبر كل المحطات النضالية التي خاضها الرجل والمنعطفات التي مرت بها اليمن وكان له فيها دور بارز للعمل على حلها تراكمت لديه خبرات طويلة من التعامل السياسي والعسكري والاجتماعي ما مكنه من الإمساك بالأطراف الفاعلة في المجتمع والتي تشكل العمل والتأثير المجتمعي فكان خليطاً متجانساً من العمل أكسبه خبرة واسعة في الإمساك بخيوط اليمن، إلا في لحظة الانقلاب الحوثي في 21 سبتمبر 2014 فقد تم تمرير ذلك الانقلاب بشكل تدريجي قيد حركته عبر أطراف محلية متمثلة بمؤسسات الدولة التي كبلته وغيره عن فعل أي شيء لمواجهة الانقلاب وكذلك عبر أطراف إقليمية ودولية كان رأس الرجل هو الهدف الأول لذلك الانقلاب.
عقب ذوبان معظم فرق الجيش ودعمه للانقلاب استطاع الرجل مع بعض القوى الحية من تكوين المقاومة وتأسيس جيش جديد من الصفر كاد أن ينهي الانقلاب ووصل إلى مشارف صنعاء وحرر الكثير من الأرض أيضاً لولا التلاعب الدولي بالأزمة وإيقاف الجيش في جبال نهم في صنعاء ومشارف الحوبان في تعز ومشارف الحديدة في الساحل.
يعتبر علي محسن اليوم القائد العسكري الأول ومدرسة الجيش الكبرى وكذلك الرجل السياسي والاجتماعي الأول القادر على توحيد تيارات حزب المؤتمر الشعبي العام المتشظي إلى ثلاثة تيارات؛ تيار مع الحوثي في صنعاء والمحافظات الشمالية، وتيار في الخارج وبعض الداخل مؤيد لنجل الرئيس السابق أحمد علي وهو موالٍ للإمارات، وتيار يمثله الرئيس هادي ومحسن والعليمي ومن في صفهم وهو التيار المؤيد للشرعية ويتواجد في الخارج والداخل في المناطق المحررة والمحافظات الجنوبية والشرقية، وما يمثل هذا التيار من جهات قبلية وعسكرية وسياسية.
فالنائب علي محسن هو من أوائل الشخصيات المؤسسة للمؤتمر الشعبي العام عام 1984م، ويدرك لكل أسسه ومبادئه ومواثيقه والشخصيات التي بنت الحزب من الصفر ولها ثقلها السياسي الفكري والميداني من العيار الثقيل التي لا يمكنها أن تنقاد بسهولة لشاب حديث لم تعصره الأحداث ولا التراكمات ولا الخبرات السياسية ولا الميدانية، وبالتالي فإن هذه الشخصيات يمكنها الانقياد للنائب ولا يمكنها الانقياد لأحمد علي، وهنا مكمن الحل ومكمن التشخيص لدى الباحثين في شخصية النائب.
في كل المنعطفات باليمن ابتداءً من انقلاب الناصريين عام 1978 وكذلك الأعمال التخريبية التي قامت بها جبهات يسارية عرفت بجبهات المناطق الوسطى بدعم من نظام اليمن الجنوبي سابقاً الذي كان يترأسه الحزب الاشتراكي اليمني وصولاً إلى حرب صيف 1994 كان الرجل يؤدي واجبه كقائد عسكري في جيش دولة، بغض النظر عن ما إذا كانت تلك المحطات صائبة أو غير صائبة، أدى واجبه بمهنية كما يؤديه أي قائد يحترم النظام والعمل المؤسسي في البلاد وينفذ أمر ولي الأمر والقائد الأعلى للقوات المسلحة كما يفعل أي قائد أو جيش في العالم، وعلى الرغم من سهام التشويه والتخوين والنقد التي وجهت إليه عبر كل هذه المحطات إلا أنه كان يتعامل مع الجميع بصدر رحب لم يعرف عنه البطش واستخدام القوة المفرطة على الرغم من أنه كان يمتلك إمكانياتها، بل كان في كل تلك المحطات مشيراً على الرئيس السابق بعدم التعامل بحدية وعنف مع المختلفين معه، وكان هو الموجه الأول بمبدأ العفو العام عقب تلك المحطات، حتى أن كثيراً من قيادات الجيش الجنوبي الذين أوقفوا أو همشوا ورُحِّلوا عمل على استقطابهم واستيعابهم في مناطقه العسكرية بعيداً عن رضى علي عبدالله صالح مما أوغر صدر الرجل عليه.
وكذلك الأمر ينطبق على القيادات الجنوبية التي تقاتلت في يناير 1986 استوعبها في صفوف قواته وأعرف الكثير منها بحكم أنني عملت تحت قيادة بعضها في الفرقة الأولى مدرع بين أعوام 1990 و1995، أو تلك التي شاركت في انقلاب الناصريين عام 1978 استوعبها بعيداً عن أية ثارات سياسية أو معاملتها معاملة المنتصر على مهزوم وصار الكثير منها مقربة من علي محسن باستثناء من خرجت خارج البلاد ولم تعد.
في حروب الجيش مع المليشيات الحوثي فيما عرف بالحروب الست كانت بمثابة الفخ والشراك الذي نصبه علي صالح للتخلص من محسن وقواته لصالح الحرس الجمهوري حتى أنه كان يبقي جذوة الصراع مشتعلة ويمد الحوثيين بنفس الأسلحة والتموينات التي يمون بها الجيش معترضاً هزيمتهم بشكل نهائي على الأرض للاحتفاظ بهم كمعادل موضوعي في مواجهة بقية التيارات الدينية والسياسية، وتمهيداً لتوريث السلطة التي كان يهيئها لنجله أحمد، وكان يشعر أن العقبة الوحيدة والكأداء أمام التوريث هو علي محسن فكان لابد من التخلص منه بحسب خططه الأمر الذي أوصله إلى أن أعطى إحداثيات خاطئة لمكانه للطيران لضربه يومها.
مع كل ذلك ظل محسن محتفظاً بعلاقاته الشخصية وعلاقات القربى مع صالح ومع بقية المكونات والقبائل وحتى المحافظات التي لم ترق لعلي صالح ومضى في تهميشها كمحافظة تعز مثلا، وهذا الموضوع سنفرد له حلقة خاصة -إن شاء الله-.
مثّل النائب علي محسن في كثير من الأوقات اليد الحانية لعلي صالح التي لا تقطع الأواصر وخط رجعة له للتعامل مع القوى السياسية والقبلية كما مثل البوابة التي يلج منها الكثير للوصول إلى الرئيس صالح، وهذا الأمر مكنه من التعامل مع مختلف الشخصيات والقبائل والقوى السياسية والملفات الشائكة، لا يتسع المجال لضرب أمثلة منها وقد سبق الإشارة إلى ذلك، راكم لديه الكثير من الخبرات للملمة شتات اليمنيين، ومن باب أولى لملمة شتات حزب المؤتمر الشعبي العام والذي أشار إليه الباحثون الأمريكيون والأجانب عموماً في أبحاثهم المختلفة، وهو عامل قوة للشرعية والتحالف العربي والملف السياسي في المنطقة عموماً لا يمكن تجاوزه، وهذا ما أدركته قائدة التحالف العربي المملكة العربية السعودية والتي تقدر الرجل كثيراً وتنزله المنزلة التي يستحقها.
شكل النائب محسن والرئيس السابق صالح ثنائياً سياسياً وعسكرياً بارعاً باتحادهما استطاعا لملمة كل أوراق اليمن المبعثرة، وهو ما أدركه بقية الخصوم السياسيين وعملوا بكل قوة على افتراقهما وتشويه محسن ونسبوا إليه كل فعل غير سوي لضرب مكامن القوة في النظام والجمهورية، وبافتراقهما تفرق اليمن، ويعول اليوم كثيراً على النائب مع الشخصيات الجامعة الأخرى الحريصة على اليمن ووحدة صفه أن يلموا شتات اليمنيين وأوراقهم المبعثرة من جديد لتعود الدولة ويعود الوطن.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم