الإستثمار الدولي في المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة..!(1-6) | اليمني اليوم
الإستثمار الدولي في المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة..!(1-6)

لم تكن الأزمة اليمنية وحروبها خلال الفترة القليلة الماضية نتاج عمل لحظي انفجرت بشكل تلقائي مؤخراً، بل هي نتيجة عمل ممنهج ودراسة وتخطيط منذ أمد بعيد. 
وتكشف هذه الدراسة التي بين أيدينا كثيراً من أبعادها ومسبباتها واللاعبين فيها، والتي استخدمت المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة لإشعال فتيل كل هذا الصراع، ومستقبل اليمن وتحديداً بعض مناطقه وكذلك بعض دول المنطقة.. 
الحلقة الأولى
ونديمُهُم وبِهِم عرفنا فضلَهُ ... وبِضدِها تتبيّنُ الأشياءُ
بهذا البيت الشعري الأصيل، لأبي الطيب المتنبي، يتم الاستشهاد عادة عند العرب للكشف عن الأشياء الغامضة التي تخفى على كثير من العقلاء وتجعل الحليم حيراناً..
من يدرس الحوثية تاريخياً وسياسياً وعقائدياً، ويتابع تحركاتها الإرهابية على الأرض بتمعن، يدرك كيف أن هذه الغرسة الخبيثة تم تنميتها وتعهد غراسها بشكل جيد من قبل مزارعين مَهَرة وكثر أيضاً في هذا العالم؛ كل مزارع من هؤلاء يجد بغيته عندها، ولذلك يتم حمايتها وتغذيتها بشكل مستمر حتى تؤتي أكلها مستقبلاً وبشكل أفضل، كلما مر عليها زمن تم تلقيحها لإنتاج أفضل لأولئك المزارعين. 
صحيح أن الحوثية لها بعد فكري وتاريخي يمني متمثل في الإمامة والهاشمية السياسية التاريخية، إلا تنميتها والأخذ بيدها كان من قبل رعاة كثر دوليين وإقليميين.
من خلال الكثير من الشواهد الميدانية والسياسية ظهرت الحركة الحوثية كمليشيا مؤجرة لأكثر من طرف في المنطقة والعالم، مثلها مثل الحركة الكردية، الكل يستثمر فيها، ولكل طرف دولي وإقليمي جناح خاص يتم استقطابه واستئجاره عبر الراعي الدولي الأول – الولايات المتحدة الأمريكية- بالشراكة الكبرى مع ألمانيا، لكن باللافتة الإيرانية كعمق ثقافي أيديولوجي. 
حيث تعتبر إيران هي المتعهد الأول لهذه المليشيا فكراً وثقافة وتدريباً وتسليحاً، والأب الروحي لها، وتعتبر الحوثية أهم أوراق إيران في المنطقة بعد حزب الله إن لم تكن قد فاقت الحزب في بعض المراحل أو هي في الطريق لأن تتفوق عليه نظراً للموقع الهام الذي تمثله اليمن في أقصى الجنوب العربي وباب المندب، فمضيق هرمز لن يشكل خطورة كبرى على منافسي إيران مالم يكن باب المندب بيدها، وتستعمل إيران هذه الورقة كورقة مساومة رابحة في أكثر من ملف إقليمي ودولي، وربما كانت إيران هي الأخرى الواجهة الحقيقية للاستثمار العالمي بدليل تدليله لها وعدم اتخاذ بشأنها أية إجراءات رادعة كتلك التي قام بها النظام العالمي ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين.
ما كان للحوثية أن تظهر على السطح لولا تبنيها إيرانياً وأخذت بيدها، وربتها وتعهدت غراسها لكن بأعين دولية.
كان تَطَلُّع الهاشمية السياسية نحو إيران منذ وقت مبكر أثناء الصلح بين الجمهوريين والإماميين في عام 1970، وذلك من خلال موقف وزير خارجية آخر دولة الإمامة أحمد محمد الشامي الذي صار بعد ذلك أبا الهاشمية السياسية وحتى نهاية الثمانينيات، حينما أطلق صرخته بعد ذلك الصلح عبر أبيات شعرية شهيرة قالها:
بلغوا فيصل والقصور العوانس     إننا سادة أباة أشاوس
سنعود إلى الحكم يوماً             بثوب النبي أو بثوب ماركس
فإذا خابت الحجاز ونجد           فلنا إخوة كرام بفارس
وفعلاً عاد الإماميون بكل تلك الأثواب، وبرعاية ومساعدة فارس وكل من وقف خلفهم، وأخليت ساحة صنعاء للانقلاب الحوثي ودخلوها بسلام آمنين، ولكن مدمرين ومخربين كل ما تقع أيديهم عليه.
إستثمرت الكثير من القوى الدولية في الحركات الحوثية وحزب الله والكردية وحتى أمهم جميعاً إيران من وراء ستار عبر دول وقوى إقليمية، أو بدون ستار وبشكل مباشر غير الستار الإيراني الفضفاض، وسنوجز هذه الاستثمارات، حسب اللاعبين السياسيين، بالشكل التالي:

الاستثمار الأمريكي
على الدوام كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترفض مطالبات الرئيس السابق تصنيف الحوثية كمنظمة إرهابية إبان الحروب الست في صعدة منذ عام 2004 وحتى 2009، وظلت على وئام تام مع الحوثية، عززته خطوات كثيرة لاحقة على الأرض على رأسها اللقاءات الدورية والمستمرة مع ممثلي الحركة الحوثية في السفارة الأمريكية بصنعاء، وزادت وتيرتها قبل انسحاب السفارة الأمريكية من صنعاء 2014، وتسليم كافة الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية المتطورة للحوثية تحت غطاء الانسحاب، وكانت أول السفارات انسحاباً من صنعاء أعقبته انسحاب كافة السفارات الدولية والإقليمية بعدها كمؤشر إما على خطورة الوضع أو رضاً بالصنيع الحوثي وإفساحاً للمجال لها.
أظهرت الصور المختلفة في السفارة الأمريكية تلك اللقاءات بممثلي الحوثية قبيل مداهمة صنعاء، في الوقت الذي كان شعار صرخة الحوثية يملأ الآفاق (الموت لأمريكا ..الموت إسرائيل...) دون اكتراث من الولايات المتحدة لهذا الشعار، حتى إن السفير الأمريكي الأسبق جيرالد فايرستاين قلل من أهمية الشعار قائلاً: إن الشعار الحوثي لم يؤذِ أمريكياً واحداً( )، وهو ما كرره شقيق زعيم المليشيا الحوثية يحيى بدر الدين الحوثي من مقر إقامته يومها في ألمانيا لقناة "الجزيرة مباشر" في 2012 وأنه عبارة عن كلام في الهواء، بينما لم يقلل أي من السياسيين الأمريكيين من أدنى كلمة شاردة أو واردة عن أي من المكونات السنية، ويأخذون أي تصريح لأي مكون سني - مهما كان بسيطاً- على محمل الجد، ويعملون له ألف حساب، ويردون عليه بألف وسيلة وموقف!
تدعم الولايات المتحدة الأمريكية الحركة الحوثية في مجالات شتى، منها التغطية والرعاية السياسية للحوثية تمنع عنها كل إشارة للإدانة أو تقدم الجيش الوطني نحوها، وعلى رأس هذه المجالات بعض المنظمات التي تسيطر عليها الحوثية منذ وقت مبكر، وفتحت أبوابها لرموز إمامية وقدمت لهم كافة وسائل الدعم حتى فتحت مؤخراً الكونجرس للقائمين على هذه المنظمات الحوثية والإمامية، وكذلك مجلس الأمن والأمم المتحدة، وسمحت لبعض نشطاء الحوثية بإلقاء خطاباتهم في هذه المحافل والمؤسسات دون غيرهم من المنظمات الأخرى.
كما تعمل أمريكا على دعم لوبي إمامي أمريكي والتواصل مع بعض صانعي القرار في الولايات المتحدة للتأثير على مجريات بعض السياسات المتخذة أمريكياً بشأن اليمن، وهذا ليس بخافٍ على أحد من خلال ظهورهم على المنابر الإعلامية الدولية وغير الإعلامية، ودعم الحوثيين من تحت الطاولة دعماً سياسياً.
الصحفي مجاهد السلالي حينما اختطفته المليشيا الحوثية وعذبته تعذيباً شديداً عام 2014 أفاد عقب إطلاقه من الخطف أن من كان يحقق معه أجانب يتحدثون الإنجليزية مستخدمين معه وسائل تعذيب متطورة كتلك التي تستخدم في أفلام الاستجواب الأمريكية، كالتحقيق والاستجواب بالتنويم والتخدير، ما يعني أن ثمة تعاون بين الطرفين ورعاية للحوثية من قبل أمريكا( ).
حينما كان الجيش الوطني يتقدم على مشارف صنعاء كانت الاعتراضات الدولية تتوالى على تلك التقدمات، وتم تحديد نقاط معينة للجيش بعد نهم لا يمكنه تجاوزها، وتم التلاعب بالحرب على الأرض، وتعرض التحالف العربي لضغوطات جمة حتى لا يتم دعم تقدم الجيش عن تلك النقاط.
ثمة أمور كثيرة لا تخفى على الأرض لرعاية هذه المليشيا والاستثمار فيها، وأبرز ما فيها هو عرقلة الدول الراعية لهذه المليشيا تقدم القوات المشتركة لتحرير الحديدة والتي وصلت أولى أحياء المدينة من جهة الجنوب، وتم إيقاف كل شيء هناك عبر اتفاق ستكهولم، ما يعطي غطاءً دولياً واتفاقاً محلياً بشأن هذا التوقف والعرقلة.
أيضاً تم عرقلة تحرير محافظة تعز وخاصة المدينة ففي الوقت الذي كان الجيش الوطني والمقاومة الشعبية على وشك إنهاء القاعدة العسكرية للمليشيا الحوثية في تلة السلال شرق مدينة تعز والزحف نحو قمتها كأهم قواعد الحوثية المهددة لمدينة تعز كانت التوجيهات بضغوط مختلفة على الجيش والمقاومة الانسحاب والتراجع إلى أماكنهم وإلا تعرضوا للقصف الجوي المكثف( ). 
نفس الإجراء تم ضد الجيش الوطني في جبهة نهم شرقي صنعاء وكان إذا تم تجاوز الحدود المرسومة للجيش للتوقف هناك يتم قصفه دون هوادة وراحت كتيبة كاملة من الجيش بقصف الطيران جراء هذا الأمر، وتكرر القصف لعدة مرات منذ 2016 وحتى 2018 تجت مسمى الضربات الخاطئة، وكثير من تلك العمليات يتم التستر عليها ولا تظهر لوسائل الإعلام مطلقاً.
من يدير هذه الحرب ويرعاها حدد ميادين الاشتباك والتقدم والتوقف أيضاً لمصالح مختلفة، تحت لافتة الحاجة الإنسانية في الحديدة،  وتغيب هذه الحاجة الإنسانية في مارب وتعز أثناء محاولة تقدم الحوثي إليها أو قصفهما بالصواريخ الباليستية والمدفعية!
نعلم يقيناً أن المبعوثين الأمميين عبارة عن سكرتارية منظمة لهذه القوى التي تدير الحرب في اليمن يشهرون أوراقاً ويخفون أخرى في أوقات معينة ولا يملكون من أمرهم شيئاً في زحزحة الأمور على أرض الواقع والبت فيها إلا من خلال اتفاق اللاعبين الدوليين الذين يحركون الأوراق السياسية العالمية ويتحكمون فيها.
وقد دلل المبعوثون الأمميون الحوثيين كثيراً حتى أن جمال بن عمر، أول مبعوث أممي إلى اليمن، كان راعياً للانقلاب الحوثي، وأثناء اجتياح صنعاء كان يأكل بنت الصحن مع عبدالملك الحوثي في صعدة، ليعود راعياً لاتفاق السلم والشراكة بعد اجتياح صنعاء، لم يصمد هذا الاتفاق اسبوعاً واحداً ليس بنقضه من قبل الأطراف الموقعة بل هو استكمال للعبة الانقلاب بشكل مقبول وتدريجي برعاية دولية.
لم يكن المبعوث الأممي جمال بن عمر يخفي انحيازه للانقلابيين الحوثيين، وكان كلما تحرك السياسيون معترضين على التحركات العسكرية الحوثية كان بن عمر يشهر في وجوههم ورقة العرقلة للانتقال السياسي، ويشهر العقوبات الأممية عليهم من طرف واحد دون أن ينبس ببنت شفة تجاه التحركات الحوثية، ومن يومها بدا موقف المجتمع الدولي واضحاً في دعم الانقلاب. 
ما يبعث على الحيرة حقيقة هو كيفية وصول الأسلحة المختلفة للمليشيا الحوثية وخاصة الأسلحة الثقيلة كالصواريخ الباليستية وكذلك الطائرات المسيرة في الوقت الذي تتواجد فيه بارجات عسكرية لقوى دولية مختلفة وأخرى إقليمية في كافة المياه الدولية على الشواطئ اليمنية على أنها تراقب المياه من أية تحركات عسكرية أو إرهابية أو غيرها، خاصة واليمن يقع تحت الفصل السابع وممنوع على كل مكوناته استيراد السلاح، وأيضاً لمراقبة التحركات الإيرانية التي هي أيضاً تقع تحت القرار الأممي 2231 الذي يقيدها عسكرياً في استيراد وتصدير السلاح في الوقت الذي تعمل فيه جاهدة على تهريب السلاح للمليشيا الحوثية طيلة هذه الحرب، مع وجود بعض الإشارات إلى تمرير هذه الأسلحة والطائرات للحوثية عبر أحد أطراف التحالف العربي عبر بعض السواحل بغطاء سفن الوقود والغذاء!!
وفي أمر ملفت للنظر عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تمييع نتائج التحقيقات في قصف منشآت أرامكو منتصف سبتمبر 2019، فبعض مسؤوليها يؤكدون تورط إيران في القصف، والبعض الآخر ينفي، وفي الوقت الذي تصور فيه الأقمار الصناعية الأمريكية حادثة القصف وتنشر أولى صورها كسبق معلوماتي تصوير بدقة عاد المسؤولون الأمريكيون للتلاعب بهذه النتائج.
وقال أحد هؤلاء المسؤولين الأمريكيين إن الهجمات جاءت من الغرب والشمال الغربي وليس من المنطقة التي تسيطر عليها جماعة الحوثي في اليمن، والواقعة إلى الجنوب الغربي من المنشآت النفطية السعودية.
وعليه، يرى المسؤولون الأمريكيون أن الهجمات انطلقت من شمالي الخليج من إيران أو العراق( ).
حيث لا يوجد من يمتلك صواريخ "كروز" من دول المنطقة إلا دولتين هما إسرائيل وإيران، وكشفت إيران مؤخراً عن صاروخ "كروز" للهجوم الأرضي من طراز "سومار"، مع مدى يقدّر بـ 2000 إلى 2500 كم( ).
ونعلم يقيناً أن اليمن في عهد صالح ما كان لها القدرة على امتلاك هذه الصواريخ حتى نقول بوراثة الحوثيين لها، وهذا يدعم أن ضرب هذه المنشآت جاء من الشمال من قبل إيران خاصة بعد تهديدها بأنها لن تسمح بتصدير أية قطرة نفط في المنطقة إذا تعرضت لعقوبات اقتصادية إضافية ومنعها من تصدير النفط، وأنها ستغلق مضيق هرمز الحيوي للمنطقة.
وكان رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية "محمد باقري" صرح في 30 أغسطس 2018، إنه في حال عدم استطاعة بلاده استخدام مضيق هرمز في تصدير النفط "فلن يكون هناك أمن للآخرين.. لن يكون هناك نفط آخر سيتم تصديره من تلك المنطقة"، بحسب وكالة "مهر" الإيرانية، وتكرر ذات التهديد بين فترة وأخرى.
بينما كانت أولى التهديدات الإيرانية الصريحة للمملكة العربية السعودية صدرت في بداية العاصفة، حيث هدد العميد أحمد رضا بوردستان قائد القوة البرية في الجيش الإيراني السعودية "بضربة عسكرية إن لم تكف عن القتال في اليمن".
كما هدد قائد القوة البرية في الجيش الإيراني المملكة بالقصف الصاروخي، قائلًا: "انفجارات قد تقع في السعودية عن طريق سقوط الصواريخ على الأرض فمن المؤكد أن تلافي ذلك سيكون صعباً جدًا بالنسبة للمسؤولين السعوديين"( )، وكما يبدو فإن ضرب المنشآت النفطية السعودية تأتي من هذا الباب.
هذه قرائن على أن الهجوم كان إيرانياً وليس حوثياً، وأن في الأمر تلاعباً أمريكياً دعماً لهذه الأطراف وابتزازاً للسعودية.

*تنشر بالتزامن بين موقعي اليمني اليوم و الحرف 28 "

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم