الاستثمار الدولي في الحوثية كبندقية مؤجرة (2-6) | اليمني اليوم
الاستثمار الدولي في الحوثية كبندقية مؤجرة (2-6)

لم تكن الأزمة اليمنية وحروبها خلال الفترة القليلة الماضية نتاج عمل لحظي انفجرت بشكل تلقائي مؤخراً، بل هي نتيجة عمل ممنهج ودراسة وتخطيط منذ أمد بعيد.

وتكشف هذه الدراسة التي بين أيدينا كثيراً من أبعادها ومسبباتها واللاعبين فيها، والتي استخدمت المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة لإشعال فتيل كل هذا الصراع، ومستقبل اليمن وتحديداً بعض مناطقه وكذلك بعض دول المنطقة..

 

الاستثمار البريطاني

يتحدث مراقبون ومحللون سياسيون أن ملف الحديدة تحديداً تديره بريطانيا وتتحكم فيه، وكانت مندوبة بريطانيا قد اعترضت في مجلس الأمن على عدة مشاريع تتعلق بالحديدة خاصة بشأن تحريرها أو تصعيد المعارك هناك، ما يعني أن بريطانيا هي الأخرى لها مصالحها الخاصة وتستثمر هي الأخرى في الحركة الحوثية.

بالنظر إلى العلاقات والتعاون التاريخي بين الإمامة وبريطانيا إبان الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن وسيطرة الكهنوت الإمامي على شمال اليمن كان الطرفان يتفقان على محاربة الثوار والوقوف عائقاً أمام أي تطلع شعبي للخلاص من الإمامة والاحتلال، وتم التنسيق بين الطرفين لذات الغرض، حتى أن بريطانيا كانت تدعم الإماميين ضد الجمهوريين بالمال والسلاح والخبراء والاستخبارات، الأمر الذي جعل الباب مفتوحاً لهذا التعاون حتى اليوم، وكانت بريطانيا قد استقبلت آخر القيادات الإمامية كالبدر ووزير خارجيته أحمد محمد الشامي زعيم الهاشمية السياسية منذ ذلك التاريخ المخطط والقائد للتنظيم السري حتى وقت متأخر قبل أن يخلفه ابن عمه أيضاً أحمد محمد الشامي الثاني، وليستلم من بعدهم الدور الحالي يحيى الشامي.

هذا التعاون بين الجانبين أثمر عن عرقلة كل مشروع يؤدي إلى تقدم الجيش أو المضي خطوة نحو إنهاء الإنقلاب قد لا يكون حباً في سواد عيون الحوثية وإنما تسيير مصالح هذه الأطراف في المنطقة، واستدرار الدعم وصياغة جديدة لسياسة المنطقة عموماً.

وبما أن المبعوث الأممي مارتن جريفيث بريطاني الجنسية وهو عضو سابق في جهاز مخابراتها تقول المثير من التسريبات والمعلومات إن جريفيث هو من يرسم عادة الأجندة السياسية للمليشيا الحوثية أثناء زياراته المتكررة لصنعاء ويحدثهم بما ينبغي أن يتم اتخاذه أو الإحجام عنه، وهذا يفسر مدى الانحياز الكبير لجريفيث مع المليشيا الحوثية، حتى أنه، كما بقية المبعوثين الأمميين الآخرين لم يدينوا جرائم الحوثيين إدانة واضحة وصريحة بل من باب التعويم اللفظي في "إدانة الأطراف المتصارعة" مع علم علمهم اليقيني بهذه الجرائم والتي تكون عادة من طرف واحد هو طرف الحوثيين.

 

الاستثمار الألماني

لم يختلف الموقف الألماني كثيراً عن مواقف أمريكا وبريطانيا في رعاية المشروع الحوثي والاستثمار في هذه المليشيا، وألمانيا متصدرة الموقف الأوروبي تجاه الحوثية؛ فالألمان أكثر الدول الأوروبية دعماً للمليشيا الحوثية وخاصة في مجالات المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، وتدفع لهم أموالاً طائلة تحت غطاء هذه المنظمات، وفي الحقيقة التي يعرفها الجميع أن ملف الحوثية بيد ألمانيا منذ زمن بعيد، كما هو ملف الحراك الجنوبي بيد بريطانيا.

تعمل ألمانيا عادة كرديف لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرقين الأوسط والأدنى، وما تعجز عنه أمريكا أو تتعمد عدم الخوض فيه تلجأ إلى ألمانيا للعب هذا الدور وتقاسم ملفات المنطقة في أكثر من مجال، كما فعلت مثلاً في الملف النووي العراقي منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة، حينما منع صدام حسين بعض فرق التفتيش وخاصة الأمريكية والبريطانية من دخول منشآته العسكرية، كانت ألمانيا هي من تزود الولايات المتحدة بكافة المعلومات عن العراق في تلك الفترة والتي نتج عنها بعد ذلك اجتياح العراق في مارس 2003، أو كذلك في اعتقال وتسليم الشيخ محمد المؤيد في ألمانيا في أوائل يناير عام 2003([1]).

ففي المفاوضات الدولية بين المجتمع الدولي وإيران بشأن برنامجها النووي سلمت الولايات المتحدة الأمريكية ملف هذا التفاوض إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي فيما عرف بلجنة "الخمسة زائد واحد"، والذي بدأ في 2007 وانتهى في 2015، نتج عنه اتفاق مؤقت في تجميد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع حظر التسلح عنها في أكتوبر 2020 والذي تم قبل أسابيع.

كما تستثمر ألمانيا في الملف الكردي إلى جانب أمريكا وبريطانيا، وقد عُهِد إليها بالملف الطائفي هي أيضاً تستثمر في الحوثية خاصة في الملف الطائفي عبر ما تسميه دعم الأقليات الدينية من ناحية وتقدم لهم كافة وسائل الدعم من بينها محركات الطيران المسير.

ففضلاً عن تطلع ألمانيا للعب دور بارز في المنطقة العربية، كما في التقاسم السابق وكأنها يرمى لها بالعظام من بعد أمريكا وبريطانيا، إلا أن ألمانيا تعد أهم شركاء أو حلفاء أوروبا لإيران لاعتبارات ثقافية وعرقية أيضاً ومصالح استثمارية مشتركة، حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي من أهم مستوردي النفط الإيراني بعد الصين.

يعتبر الألمان أن العرق "#الآري" مأخوذ من العروق الهندي والكردي والفارسي، وأن منشأ العرق الآري هو في آسيا من إيران وجنوب وشرق تركيا، ليعرف فيما بعد بالعرق الهندي أوروبي([2])، ولذلك تعمل ألمانيا كمنقذ اقتصادي لإيران من الخنق الدولي، وكثير من أموال التحويلات والاستثمارات كانت تحول عن طريق ألمانيا وبعدها الإمارات، أي أن ألمانيا هي الرئة التي تتنفس منها إيران، ولذلك تدعم بشتى الوسائل الحوثية دعماً للحليف الإيراني.

في ألمانيا أيضاً لوبي إمامي هاشمي استطاع الوصول إلى الحكومة الألمانية في واحدة من الوزارات الألمانية عبر طارق محمد الوزير عن حزب الخضر الألماني ورئيس كتلته البرلمانية، تولى منذ 2014 منصب نائب رئيس وزراء حكومة ولاية هسن فولكر بوفيير ومنصب وزير الاقتصاد والطاقة والنقل والتنمية الإقليمية([3]).

من يتابع الهاشمية السياسية عبر بناتهم وأبنائهم في ألمانيا يدرك حجم وبعد التنسيق الألماني الإمامي وكيف تم التسهيل لهم في كثير من المجالات، حتى أن حوالي 70% من المنظمات الحوثية والإمامية هي بدعم ألماني، و30% المتبقية أمريكية وبريطانية، وحين اختار شقيق زعيم المليشيا الحوثية اللجوء الطوعي بعد الحرب السادسة اختار ألمانيا لوجود هذا اللوبي الإمامي هناك وحشد الدعم والمواقف لحركته من هناك.

وكان من بين القرارات التي اتخذتها ألمانيا بشأن الملف اليمني هو أيقاف بيع السلاح للمملكة العربية السعودية في أكتوبر من العام 2018، ليدرك الجميع أبعاد العلاقة الإيرانية - الألمانية ودعمها المقدم للحوثية.

 

الاستثمار الإسرائيلي

بينما تبحث إسرائيل عن شركاء حقيقيين لها في اليمن كانت الحوثية أكبر هدية عصرية لها في اليمن خاصة بالقرب من باب المندب، وهو ما عززه إطلاق الحوثيين جاسوساً إسرائيلياً عقب سيطرتها على مدينة عمران في 2014 وإطلاقه من السجن المركزي هناك، فضلاً عن ترحيل الحوثية لبقية يهود اليمن إلى إسرائيل ومعهم أقدم نسخة توراتية في العالم، كنوع من عربون الصداقة بين الجانبين، الأمر الذي كرره بعض المسؤولين الإسرائيليين بالكشف عن حلفاء جدد لهم في باب المندب.

ما عزز من هذا الأمر هو ما كشفه وصف الصحفي الإسرائيلي "آفي زخاروف" المختص في الشؤون العربية في ال 13 من يناير 2015 في لقاء صحفي مع القناة الإسرائيلية الثانية والقول بأن "الحوثيين حليف استراتيجي لإسرائيل في الوقت الراهن في مجال محاربة الإرهاب وإيجاد حلفاء حقيقيين لإسرائيل في محاربة تنظيم القاعدة في اليمن".

قدم الحوثيون لإسرائيل أكبر هدية من بين كل العرب حيث رحلوا لهم بقية يهود اليمن الذين يعتبرون أصل الأصول اليهودية العالمية لما يسميه اليهود "السامية" ومعهم أكبر هدية ثقافية ودينية وهي أقدم نسخة توراتية في العالم، في أمر لم تكن تحلم به إسرائيل، كعربون محبة لاستجلاب الدعم الإسرائيلي للانقلاب الحوثي، وهو ما يتم من تحت الطاولة.

تعتبر إسرائيل هي المستفيد الأكبر من الاستثمار في الحوثية والحرب في اليمن، فكل الروافد السابقة تصب في صالحها سواء من حيث خدمة تلك الدول لإسرائيل أو من حيث إشعال الاضطرابات في الشرق الأوسط وإشغاله بمشاكله الداخلية بينما هي تغلق القضية الفلسطينية وتصادر بقية الأراضي وتقضي على كافة الاتفاقات الدولية، وقد رأينا أولى نتائج تلك الصراعات في هرولة بقية الدول العربية لإقامة علاقات مع إسرائيل بعيداً عن أية منافع أو مساومات بشأن القضية العربية الأم قضية فلسطين كما كان في السابق، والعمل على تغيير الثقافة العربية بشكل إعلامي ممنهج لتغيير طرق التفكير وأمزجة الشعوب نحو القضايا المصيرية.

في مشاورات تشكيل الحكومة التي شكلت مؤخراً في اليمن كانت قضية التطبيع المستقبلي مع إسرائيل واحدة من أهم مقاييس قبول ترشيحات الوزراء والمساومات لبقية المكونات كالانتقالي الجنوبي وجناح طارق صالح في الساحل الغربي التي سارعت إلى قبولها التطبيع المستقبلي مع إسرائيل شريطة تمكين الطرفين في اليمن وتحجيم شرعية الرئيس هادي والقوى الداعمة له كالإصلاح والائتلاف الجنوبي وجناح مؤتمر هادي، ولذلك يعتبر إنهاء شرعية الرئيس هادي مسألة وقت لا أكثر إن لم يتنبه لذلك، وكذلك الجيش الوطني الذي لم يسلم من الضغوط من كل اتجاه وبكل الوسائل.

في الصراع الجمهوري مع الإمامة بعد ثورة 26 سبتمبر كانت إسرائيل من أكبر الداعمين للإماميين تزودهم بمختلف الأسلحة المتطورة التي تسقطها بالطيران عبر المظلات في جبال حجة وصعدة وغيرها، وهو ما أظهرته وسائل التلفزة والاعتراف الإسرائيلي وكذا الصحف المختلفة ولم يكن خافياً على أحد سواء كان نكاية بعبدالناصر يومها أم خدمة من أجل حليفتها بريطانيا، وبقي الإماميون محتفظين بهذا الجميل إلى اليوم عبر الحوثية.

 

الاستثمار الإماراتي

لا يخفى الدور الإماراتي الكبير والمسهل للمليشيا الحوثية الانقلاب في البلاد ومولته بقرابة نصف مليار دولار، كما تقول الكثير من المعلومات الصحفية، بهدف القضاء على السلطة المنبثقة عن ثورة الشباب في 11 فبراير رغم أن السلطة الفعلية كانت ما تزال بيد المؤتمر الشعبي العام.

لم يكن حرصاً من الإمارات الحفاظ على سلطة المؤتمر الشعبي العام ولا نظام صالح السابق، ولو كانت فعلاً حريصة على ذلك لمكنت صالح ونظامه من الإطاحة بالحوثي وما ترتب من جزء يسير على السلطة الجديدة على الرغم من أن السلطة الجديدة جاءت بفعل المبادرة الخليجية التي كانت الإمارات أحد أهم أقطابها.

أرادت الإمارات فعلاً القضاء على الإصلاح فكان شرطاً لتمويل الحوثية والاستثمار فيها من هذا الباب كهدف ظاهر للعيان، بينما كانت هناك أهداف أخرى خفية للإمارات وهو إغراق اليمن في الفوضى لكي يسهل لها التدخل بعد ذلك بلافتات متعددة ومنها التحالف العربي.

الإمارات العربية لم تتحرك كل ذلك التحرك من تلقاء نفسها بل هي وكيل جديد لإسرائيل في المنطقة تنفذ مخططاً دولياً لإغراق اليمن وتفتيته ليدخل اليمن ضمن الصراعات الدولية المفضية لتمكين إسرائيل في المنطقة، وترى الإمارات أن دعم إسرائيل في تنفيذ تلك الأجندة يعطيها شيكاً على بياض في الهيمنة الإقليمية على المنطقة والتي تعتبر إسرائيل بوابة النفوذ للوكالة الدولية في تنشئة القوى وشراء النفوذ.

الهدف الأهم للإمارات كان يتمثل في طموحها الزائد لوراثة النفوذ الإقليمي بدلاً عن المملكة العربية السعودية المتصدرة للسياسة العربية، كونها تعلم علم اليقين أن المملكة هي المتضرر المباشر من غرس المليشيا الحوثية على حدودها الجنوبية في الوقت الذي تتواجد فيه قوات ومليشيات أخرى موالية لإيران في شمال المملكة وغربها وجنوبها، وبالتالي دفعت لزعزعة استقرارها عبر تلك المليشيا التي تتوهم أن المملكة ربما تغرق في الأرض اليمنية في مواجهة إيران عبر الحوثية، بينما الإمارات تبسط نفوذها شمالاً وجنوباً وغرباً في مصر وسوريا وجنوب اليمن وسقطرى والساحل الغربي، فقد كانت أعينها على طرق الملاحة البحرية والموانئ اليمنية. وتعتبر المملكة العربية السعودية ضحية لتلك السياسات فهي الهدف الحقيقي المستقبلي بعد اليمن من كل هذه التحركات.

سعت الإمارات منذ اللحظة الأولى لقصقصة القوى المتحالفة مع المملكة وأوراقها في اليمن ومنها الإصلاح والسلفيون والمشايخ القبليون، فاستقطبت كثيراً من الأجنحة السلفية، وتعمل جاهدة للتخلص من الإصلاح وإحداث شرخ بينه وبين المملكة، واستقطبت بعض المشايخ القبليين وتعمل جاهدة على استقطاب البقية المحسوبين على المملكة في صعدة وصنعاء وحجة وعمران وغيرها، إضافة إلى نفوذها وكلمتها في الجنوب عبر الحراك الجنوبي والمجلس الانتقالي، كما استقطبت بشكل خاص تيار صالح في المؤتمر ودعمته بالمال والسلاح ليأتمر بأمرها بعيداً عن المملكة العربية السعودية التي كانت المرجعية الكبرى لصالح وأسرته، وبالتالي تماهت الإمارات بالكامل مع المجلس الانتقالي، وهنا تكون قد جردت المملكة من بعض هذه الأوراق جنوباً وحتى سقطرى وتعمل على استقطاب حضرموت لصفها، بينما سراً تواصل الدعم للحوثيين وتزويدهم بالطائرات المسيرة وتصطف إلى جانب المجتمع الدولي في حمايتهم والوقوف العلني ضد الشرعية دون مواربة.

وبالتوازي مع كل ذلك سعت الإمارات إلى تنسيق بعض المواقف مع إيران ولم تدخل معها في عداء واضح كما هو حال موقفها من التنسيق الأمني المشترك في مياه الخليج العربي والزيارات المتكررة وعدم سحب سفيرها من إيران كما فعلت المملكة على الرغم من تحالف الطرفين، والوقوف معها في أزمة كورونا، والتوقيع على بعض التعاون والتنسيق في القضايا الإقليمية ودخلت في مرحلة حياد من إيران خاصة بعد ضرب سفنها في ميناء الفجيرة والتي يبدو كانت رسالة إيرانية للإمارات استطاعت تحييدها على الأقل.

العامل المشترك بين الحوثيين في الشمال والانتقالي في الجنوب، وقوات طارق في الساحل الغربي هي من خلال الإمارات العربية المتحدة التي تتصرف مع هذه الأطراف كمالك حصري أو بوابة إقليمية للمجتمع الدولي من خلالها، وبالتالي تحرك الأطراف الثلاثة كأوراق سياسية ضاغطة على الرئيس هادي وشرعيته.

فكثير من التحركات الحوثية التي يرقبها المراقبون أو المحللون والتي تكون موجهة ضد الشرعية تأتي متوافقة مع السياسة الإماراتية الميدانية مما يعرض الشرعية في الميدان لضغط الطرفين وكأنه تنسيق وتبادل أدوار.
حتى أن هناك بعض المعلومات التي تقول إن الإمارات تسرب الأسلحة للحوثيين رغم ادعاء محاصرتها جواً وبحراً وخاصة الطيران المسير وقطع غيارها

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم