الاستثمار الدولي في الحركة الحوثية كبندقية مؤجرة (5-6) | اليمني اليوم
الاستثمار الدولي في الحركة الحوثية كبندقية مؤجرة (5-6)

لم تكن الأزمة اليمنية وحروبها خلال الفترة القليلة الماضية نتاج عمل لحظي انفجرت بشكل تلقائي مؤخراً، بل هي نتيجة عمل ممنهج ودراسة وتخطيط منذ أمد بعيد. 
وتكشف هذه الدراسة التي بين أيدينا كثيراً من أبعادها ومسبباتها واللاعبين فيها، والتي استخدمت المليشيا الحوثية كبندقية مؤجرة لإشعال فتيل كل هذا الصراع، ومستقبل اليمن وتحديداً بعض مناطقه وكذلك بعض دول المنطقة.. 

قرار تدمير اليمن اتخذ باكراً
بعد استهداف تنظيم القاعدة المدمرة الأمريكية "يو إس إس" كول عام 2000 في خليج عدن تأزم الوضع السياسي في اليمن كثيراً، وتعرض اليمن لمضايقات وضغوط كبيرة وصلت حد أن الولايات المتحدة الأمريكية أوشكت أن تتدخل في اليمن بحرب مباشرة، وكان الإعلام المحلي والإقليمي والدولي يضج بكافة منابره متوقعاً اندلاع الحرب في أية لحظة أو على الأقل ضرب بعض الأهداف من قبل أمريكا كما فعلت ضد مختبرات الشفاء في السودان عام 1997، وكان مقرراً لها أن تكون قبل الحرب على أفغانستان والعراق، وعمل الرئيس السابق على تجنب هذه الضربة بزيارته للولايات المتحدة وشرح الموقف اليمني، وهو ما كان يصرح به دائماً عبر الإعلام، وما زال يرددها حتى بعد ثورة الشباب عام 2011 كنوع من المن لا كواجب رئيس دولة، صحيح أننا تجنبنا ضربة عسكرية مؤقتة لكن وجهت لليمن ضربة اقتصادية كبيرة عبر رفع تأمينات السفن التجارية، وإضعاف حركة التجارة في اليمن، وخرج مضيق باب المندب من التحكم اليمني، وتوجهت الحركة التجارية إلى ميناء جبل علي في أبو ظبي، مما أوحى للجميع أن الضربة ربما كان مخطط لها لشل ميناء عدن، وتأجلت الحرب على اليمن إلى حين فقط.
لكن أمريكا عادت لتنتهك كل الأجواء اليمنية، وسلطت طيرانها "الدرونز" منذ عام 2002 بحيث لا تكاد تتوقف ضد اليمنيين بحجة ضرب عناصر القاعدة وراح ضحيتها أبرياء كثر حتى من حفلات الأعراس.
وفي السنوات الأخيرة كثفت الولايات المتحدة الأمريكية من هجمات الطائرات بدون طيار (الدرونز)، وتمت تقوية البنية التحتية التي تنطلق منها هذه العمليات في اليمن والسعودية وجيبوتي، ويقدر عدد العمليات العسكرية التي قامت بها القوات الأمريكية في اليمن منذ 2002 وحتى 2013 ما بين 134 و234 عملية تشمل القصف بالطائرات والدرونز، وإطلاق الصواريخ من بارجات حربية تبحر بخليج عدن، وحسب المصادر خلفت هذه العمليات ما بين 1000 و2000 قتيل(). 
كان تنظيم القاعدة، كما هي الحوثية اليوم، الكل يستثمر فيه، وهو تنظيم موجه بحيث يبرر للقوى الواقفة خلفه التحرك عبر تلك الذرائع، لذلك سارع التنظيم إلى تبني الضربة للمدمرة كنوع من صناعة الهالة الإعلامية له مع أن إمكانيات المدمرة العالية والحساسة في مواجهة الأخطار عن بعد يثير عمليات الاستفهام الكبرى كيف كانت صيداً سهلاً لاعتداء القاعدة المتخلفة إمكانيات ولوجيستياً وانتظار الزورق المفخخ القادم من بعيد نحو البارجة لضربها دون أن تكون هناك ردة فعل استباقية من قبل البارجة كما رأينا مع القراصنة الصوماليين في بعض المقاطع، لتعقب ذلك الاعتداء اعتداء وافتعال أحداث ال11 من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 مما عزز من مبررات الحروب القادمة بعدها!
بعد تلك الحادثة دخلت المنطقة في مشاكل متعددة؛ غُزيت أفغانستان واحتلت، واحتلت العراق، وتسارعت البارجات الدولية لغزو خليج عدن في البحرين العربي والأحمر، وبرأيي كانت استعدادات مبكرة للحرب ورسم خارطة المنطقة من جديد وقريباً، والبداية كان بتدمير اليمن كنواة للحروب القادمة في المنطقة والتضحية بها والتجريب بها، وفي الطريق استهداف دول أخرى لتكون ضحية كاليمن، فضلاً عن  خنق مصر من بوابتها الاستراتيجية الجنوبية، وكذلك أثيوبيا وأرتيريا وما يجري فيهما من صراع واختلالات أمنية لا يستبعد أن تكون ضمن دائرة الحروب القادمة لإعادة رسم خارطة المنطقة.
عملت كل الدول المؤثرة اليوم في العالم على حشد بوارجها ومدمراتها إلى خليج عدن، كأمريكا وبريطانيا وفرنسا، والصين وروسيا وألمانيا وتركيا وماليزيا وكوريا الجنوبية ومصر ومؤخراً السعودية والإمارات في إطار التحالف العربي لمواجهة الحوثيين، وكذلك استراليا وإيران، بينما كان الهدف المعلن هو تأمين الملاحة البحرية من القراصنة الصوماليين إلا أن في الأمر الكثير من الغموض، حيث لا تحتشد كل تلك السفن والبوارج المدمرة وحاملات الطائرات لمواجهة قراصنة بزوارق بدائية أكبر سلاح معهم الكلاشنكوف والأر بي جي!!
ففي 2 فبراير 2002 تأسست ما تسمى بفرقة 150 قوات مشتركة، من قبل نائب الأميرال تشارلز و. مور. وكلفت بمهمة إعادة التركيز على الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وبمرور الوقت، ازدادت مشاركة الفرقة في القتال الذي ازداد بعد ظهور القرصنة في الصومال، وفي 17 نوفمبر 2013، عملت قوة العمل المشتركة مع القوات البحرية اليمنية وقوات حرس السواحل اليمنية في عملية تهدف لردع الجرائم البحرية في جنوب البحر الأحمر، مضيق باب المندب وخليج عدن. العملية سميت "قوة البحر". 
شاركت في العملية سفن حربية وطائرات من القوات البحرية الأسترالية، الكندية، الفرنسية والپاكستانية وزوارق دورية من حرس السواحل اليمنية والبحرية اليمنية، قامت بدوريات بحرية لجمع البيانات متنوعة عن حركة النقل البحري وبناء علاقات إيجابية مع الصيادين المحليين. وفرت المملكة المتحدة سفينة دعم للحفاظ على السفن الحربية الحاملة للإمدادات اللوجستية طوال العملية().
حتى العام 2008 كانت تتواجد في جنوب البحر الأحمر حوالي 12 سفينة تابعة لتحالف بحري شكلته مجموعة من الدول الكبرى والإقليمية مهمتها مراقبة أعمال القرصنة، قبل أن تكتظ بها المنطقة بعد 2010.
عملت كل الدول الكبرى وغيرها على إرسال بوارجها الحربية إلى سواحل خليج عدن في المياه الإقليمية والدولية بحجة حماية السفن من القراصنة الصوماليين المسلحين بالبندقية فقط (قراصنة مفتعلين) منذ وقت مبكر، لكن الهدف الاستراتيجي البعيد كان تدمير اليمن والسيطرة على سواحله ومنافذه، وتصفية الحسابات الدولية في تلك المياه، فهو محطة صراع مستمرة منذ قديم الزمن بين الامبراطوريات المختلفة والدول الكبرى اليوم كما كان في الصراع القريب بين بريطانيا وفرنسا وتركيا واليوم أمريكا والصين.
وكانت اليمن ومصر قد حذرتا من مخطط إسرائيلي يجري تنفيذه لتدويل البحر الأحمر مما يشكل خطراً على دول المنطقة، حيث عبر وزير الخارجية الأسبق الدكتور ابوبكر القربي في نهاية 2008 عن قلق الجمهورية اليمنية مما يلوح في الأفق من جراء الوجود العسكري المكثف والمتعدد الجنسيات في المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر ومخاطر ذلك على الأمن القومي العربي وما قد يمثله من مقدمة لتمرير مشروع تدويل مياه البحر الأحمر الذي سبق أن اقترحته إسرائيل وقوبل برفض عربي()..
كان الرئيس السابق صالح قد أدرك أن الدول الكبرى ومعها إسرائيل تسعى لتدويل البحر الأحمر، وتخوفه من تلك الحشود الكبيرة لأساطيلها بحجة مواجهة القراصنة الصوماليين، لذلك عبر عن قلقه تجاه هذا الأمر فسعى في جولة خارجية شملت بعض الدول العربية لحماية البحر الأحمر منها مصر والأردن.
ففي حرب 1967 بين مصر وإسرائيل أغلقت مصر قناة السويس، وفي حرب أكتوبر 1973 أغلقت اليمن مضيق باب المندب ومن حينها وإسرائيل تسعى لتدويل قضية البحر الأحمر والسيطرة عليه، ولذلك أنشأت لها قاعدة بحرية في ضفته الغربية في جزيرة دهلك الأرتيرية لهذا الغرض.
من يتذكر اللقاءات التلفزيونية والإعلامية للمسؤولين الصوماليين وهم يعلقون على عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية والمياه الدولية يصاب بالدهشة وهم يستنجدون بالقوى الكبرى وببوارجهم الرابضة في المياه الإقليمية كيف أنهم لا يتدخلون وهم يشاهدون عمليات القرصنة تجري أمام أعينهم، وهذا ما كشفته العديد من الشواهد التي جرت في تلك السواحل دون تدخل وكأن البوارج جاءت لأهداف أخرى لا لردع القراصنة كما هي معلنة عبر وسائل الإعلام. 
حيث أبدى زعيم المحاكم الإسلامية حينها قبل أن يصبح رئيساً للصومال، شيخ شريف أحمد، استغرابه الشديد من تزايد عمليات القرصنة التي تجري في البحر الأحمر أمام السواحل الصومالية، معتبراً أن هذا "يمثل لغزاً يستعصي علينا فهمه".
شريف أحمد كان يتحدث بذلك لصحيفة الحياة اللندنية نشرته اليوم السبت 4-10-2008 أنه: في فترة المحاكم الإسلامية كانت هناك عمليات قرصنة محدودة تمت السيطرة عليها، الآن هناك أساطيل لقوى بحرية عدة في المنطقة، خصوصا على الشواطئ الصومالية، ومع ذلك تحدث هذه القرصنة، ونحن نستغرب تكرار هذه العمليات!
انتهت القرصنة والقراصنة في خليج عدن وتأمنت الملاحة البحرية وأقيمت دولة حقيقية الآن في الصومال وتعد مهمة تلك البوارج منتهية هناك فلماذا بقيت بعد ذلك وزاد من تجمعها الآن بعد عشر سنين من تأمين الملاحة البحرية وانتهاء القرصنة؟!! 
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، ومن خلال العداء الظاهري بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الكبرى من جهة وإيران من جهة أخرى، وإذا كان هذا العداء حقيقياً لما سمحت تلك الدول برسو بوارج إيران إلى جانب بوارج أمريكا وبقية الدول في تلك المياه التي تجوبها ليل نهار وهي تعلم مطامع إيران في المضايق والممرات الدولية وقد دعمت الحوثيين بالوصول إلى مضيق باب المندب للسيطرة عليه والتحكم فيه. 
ثم إن إيران نفسها مع دعمها اللامحدود للمليشيا الحوثية في كل المجالات كيف تركتهم يندحرون من مضيق باب المندب دون نصرتهم مع وجود بارجاتها ومدمراتها البحرية دون تدخل؟!! علامات استفهام كبرى تضع نفسها هنا!!
هناك في خليج عدن والبحر العربي 9 بوارج وسفن حربية أمريكية بينها حاملة الطائرات "ثيودور روزفلت" والمدمرة المحملة بالصواريخ الموجهة، "نورماندي"() فضلاً عن عشرات البوارج الأخرى لكل من الصين وروسيا وتركيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وغيرها من الدول، بينما أرسلت إيران في الثامن من أبريل 2015 المدمرة "البرز" والفرقاطة "بوشهر" إلى خليج عدن ومضيق باب المندب "لتأمين الملاحة البحرية الإيرانية في المياه الدولية والمصالح الإيرانية"()، فما الذي ستمثله من قوة بارجتان إيرانيتان وحيدتان هناك وسط هذا الكم الهائل من البوارج التي كلها تدعي الوقوف في وجه إيران إن لم يكن الجميع على اتفاق مع إيران ويعملون معها من تحت الطاولة؟!
وفي الأول من أبريل 2015 أرسلت الصين أسطولاً بحرياً يتكون من المدمرة ”جينان“ والفرقاطة ”ييانج“ وسفينة الإمداد ”تشيانداوهو“، ومجهزاً بمروحيتين، ومزوداً بعشرات من جنود العمليات الخاصة، وأكثر من 800 ضابط وجندي().
وفي 13 من أغسطس 2013 كشفت صحيفة «صندي ميرور» البريطانية أن قوات جوية بريطانية خاصة توجهت إلى خليج عدن لتنظيم استعراض للقوه بمساندة قوات فرنسية. 
السفينة الهجومية «اتش ام اس بولوارك» قادت أسطولاً مكوناً من أربع سفن حربية ملكية بريطانية من مجموعة الرد السريع. وتوجهت السفينة الى المنطقة مدعومة بخمس سفن مساعدة لمدة أربعة أشهر من «الألعاب الحربية» أطلق عليها اسم كوغار13().
من يعد لتصريحات المسؤولين البريطانيين في ذلك الحشد والرد عليهم أمريكياً يدرك أن أجندة الصراع في المنطقة كانت تتصاعد بشكل لافت، حيث قال ستيفن هاموند من وزارة الدفاع البريطانية: "إن الهدف من هذه العملية (الوهمية) هو ردع خصومنا. وإذا فكر أحدهم في المساس باستقرار المنطقة، سيرون ما يمكن أن نصنعه بهم هناك، وأن القوة المكلفة ستقوم باستعراض قوتها الهائلة وجاهزيتها للرد على أية تهديدات ناشئة».  
بينما رد السفير الأمريكي الأسبق في اليمن ستيفن سيش بالقول: «لا ينبغي أن يتم خداعنا. هذه سياسة القفازات المخملية.. والقفازات ستسقط»()، مما يوحي بأنها استعراض للقوة البريطانية في وجه أمريكا، والرد الأمريكي بأنها سياسة القفازات الناعمة التي تخفي وراءها ما وراءها.
يبدو أن كل تلك الاستعدادات هي لرسم خارطة المنطقة من جديد، كما فعلت القوى الكبرى في بداية القرن العشرين في تقسيم المنطقة، ومع أن تلك الاتفاقات أوشكت على الانتهاء في حلول 2023 فإن هذه الاستعدادات لرسم شكل المنطقة من جديد.
ويبدو أن قرار تأخير الحسم العسكري في اليمن ووقوف الجانب الدولي ضد هذا القرار هو متعمد ومدروس لاستمرار ذريعة التدخل وغزو اليمن من قبل هذه القوى الدولية، وما يجري في اليمن تمهيد ليس إلا.


 

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم