حقوق الإنسان وجرائم التوظيف والصمت | اليمني اليوم
حقوق الإنسان وجرائم التوظيف والصمت

 

رغم مضي أكثر من ثلثي قرن على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإلزامية الإعلان العالمي لمختلف دول العالم، إلا أن جرائم الحروب: حروب الإبادة، وضد الإنسانية، وانتهاكات الحقوق المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، لا تزال متفشية في معظم بل ان العالم، وبالأخص في البلدان المتخلفة.

تتشارك في اقتراف هذه الجرائم الدول الكبرى، حتى الديمقراطية منها، وفي أحايين كثيرة تكون الصانع الأكبر لهذه الإنتهاكات؛ بسبب تفوقها ومقدرتها وتعضيدها ومساندتها للدول الموصومة بانتهاك حقوق الإنسان.

في ظل الثنائية القطبية، وبروز حركات التحرر الوطني، ودور دول عدم الإنحياز التي مثلت الوجه المضيء والمشرق للتوازن الدولي، تراجعت الكثير من هذه الإنتهاكات، وتقلص دور الإستعمار القديم، والذي اتخذ بعد ذلك أشكالاً أكثر خفاء وخطورة والتباساً.

التوازن الدولي خفف من الإنتهاك وإن لم ينهه، وفتح عيون القطبين على بعضهما البعض، وكان كل طرف يتتبع بدقة انتهاكات الطرف الآخر. ورغم الجانب الإيجابي لهذا الفضح، وأثره على الحد من اقتراف جرائم ضد الإنسانية وإدانتها، إلا أن المأساة أن الدفاع عن حقوق الإنسان والوقوف ضد الإنتهاكات جرى توظيفها وأدلجتها وتسييسها، وبالتالي تحويلها إلى ترسانة في الصراع الدولي، والتلاعب بها بعد ذلك في المساومات، وفي الغرف المغلقة.

ما يعيب حركات التحرر الوطني والأحزاب، والأنظمة اليسارية والقومية وارثة تركة دكتاتورية ستالين، أنها قد سخرت وباستهانة بدعوات حقوق الإنسان، وصوّرتها كترف ونفاق برجوازي. وأسهمت المقولة الماركسية التي تبناها ماو، في تغليب التناقض الرئيسي على التناقض الثانوي، في تضليل الشعوب والفئات والشرائح والأقليات المضطهدة، وحرضتها على السكوت عن حقوقها مقابل الظفر بالسيادة والاستقلال.

وفي الأنظمة الشمولية الماركسية - كالاتحاد السوفيتي - ومنظومة الإشتراكية، جرى التضحية بالحقوق المدنية والسياسية، وحرية الرأي والتعبير مقابل توفير لقمة الخبز، وسارت الكثير من نظم حركات التحرر الوطني ذات الإتجاه القومي واليساري في نفس الإتجاه، لتكتشف شعوب هذه الأنظمة المستبدة أنها قد خسرت الأمرين معاً، حرية الرأي والتعبير، والحق في الحصول على لقمة الخبز الكفاف، وربما أيضاً حماية التراب الوطني، وفقدان السيادة والاستقلال. وهو أيضاً ما أعاق الإستقلال الحقيقي للعديد من الأمم والشعوب، ولعل أبرز مثال في عصرنا «تحرر الشعب الفلسطيني».

أما الإنتهاكات فقد تفشت أكثر في البلدان المستقلة حديثاً، وشهدت أمم وشعوب بلدان القارات الثلاث قمعاً وممارسات غير مسبوقة وتمييزاً لا نظير له ضد الأقليات؛ بسبب الجنس أو العرق أو المعتقد أو الوضع الإجتماعي أو اللغة. تحولت أعياد الإستقلال إلى مآتم، واختفى هامش الحريات العامة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير المتاح زمن الإستعمار البغيض.

وفي المستوى الدولي، اختفى رهاب التوظيف لتجاوزات الدول الكبرى ضد بعضها، وظهر التماثل في الوضع الدولي إزاء الإنتهاكات، وعدم احترام حقوق الإنسان، وجرى ما يشبه التواطؤ على السكوت والتغاضي عن هذه الممارسات القامعة إلا فيما ندر أو في احتياجات الصراع الضروري المحدد والمؤقت. ولعل أسوأ ما ورثته الأنظمة حديثة الإستقلال، ودول بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، هو الأدلجة والتسييس لهذه الحقوق، أو حتى عدم الإعتراف بها، واعتبارها مكائد استعمارية ضد قيم ومعتقدات هذه البلدان.

اللوحة قاتمة تماماً فيما يتعلق بالحروب والصراعات المسعرة، وفي تغييب الحريات والحقوق في أكثر من قارة، والأخطر أدلجة هذه الحقوق وتسييسها لتوظف في الصراعات الأكثر بؤساً وبشاعة؛ فبدل أن يكون الدفاع ضد التمييز، يرتدي الدفاع علناً وبلا حياء طابع التمييز؛ فالمسلم لا يدافع إلا عن المسلم، والإسرائيلي في فلسطين يقوم حقه الأسطوري على إلغاء كل حقوق الفلسطينيين والعرب أيضاً، وكل حزب يدافع فقط عن أعضاء حزبه!

الدول الكبرى، حتى الليبرالية، أغمضت عينيها عن هذه الانتهاكات، بل إنها تدعم الانتهاكات وتباركها في الدول الصديقة والتابعة، وكثيراً ما أسهمت الدولة الاستعمارية، «العالم الحر» كتسمية نفسها أثناء صراع القطبين، في خلق بؤر التوتر، وتشجيع الصراعات والحروب؛ لترويج تجارة السلاح، وتقرير مصائر هذه الشعوب، وما يجري في الكثير من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يخرج عن هذه المكائد، والبلدان العربية هي الأمثلة الأكثر بشاعة وإجراماً. والراعب أن البلدان العربية ضحية الانتهاك والاعتداء والاحتلال، تمارس أنظمتها الشمولية والدكتاتورية القمع والتمييز ضد شعوبها، وضد الأقليات فيها؛ فالقومية العربية، وهي في قمة ثوريتها، وعز مواجهتها مع الرجعية والصهيونية والاستعمارية، كانت تمارس القمع والانتهاك ضد شعوبها، وتمارس التمييز أكثر ضد الأقليات القومية والعرقية والدينية وحتى الطائفية؛ فالأكراد، وهم قومية مؤاخية للأمة العربية، ويجمعها تاريخ مشترك ومصير متشابه، مارست الأنظمة الشوفينية في العراق وسوريا قمعاً لها يصل حد الإلغاء، وإنكار هويتها، وشن حروب ضدها. وفي سوريا ينظر إليهم كوافدين، ولا يمنحون الجنسية. وشعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» تحول في حمى الصراع الداخلي والخارجي إلى شعار شوفيني وتمييزي. في مصر، الأكثر تمدناً وتحضراً، لا تزال النظرة للأقباط ملغومة بهيمنة الديني على الوطني، ويلعب الأزهر، والإسلام السياسي، وانتشار الوهابية، وتيار العنف الإسلاموي دوراً سلبياً في الوحدة الوطنية التي عرفتها مصر في ظل ازدهار الحياة المدنية السياسية والمد التحريري الديمقراطي. وآلاف من الكويتيين في الكويت يعيشون بدون هوية (البدون). وقد أججت الأنظمة الدكتاتورية والشمولية الصراعات الطائفية: سنة - وشيعة، ولعب النظام الإيراني خاصة والتركي دوراً سالباً في هذا الصراع.

الحروب المسعرة في المنطقة العربية منذ فجر الاستقلال، وإذا ما استثنينا حروب التحرير: الجزائر، جنوب اليمن، والحروب ضد الغاصب الإسرائيلي؛ فإن جل هذه الحروب صراعات داخلية تخوضها السلطات المستبدة ضداً على شعوبها، وبالأخص منذ انطلاق الاحتجاجات المدنية السلمية في غير بلد عربي.

فالحرب في العراق فرضها تسليم الأمريكان العراق لإيران؛ بهدف تدمير كيانه، وتمزيق وحدته الوطنية ونسيجه المجتمعي، وإخراجه من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، وقد أذكى الإيرانيون الصراع السني - الشيعي، والعربي - الكردي الذي مارسه صدام حسين. رفض تشكيل لجنة دولية محايدة ونزيهة تدين طرف «الشرعية» و«التحالف» يكشف أن أمن وسلام البلاد لا يعني لهم شيئاً

الحروب أم وأبو الجرائم كلها؛ فهي ضد الحياة وكل الحقوق. في اليمن تتخذ أبعاداً أشد خطورة وأكثر دماراً؛ فالحرب الداخلية تخوضها مليشيات صادرت وأتت على كل شيء، دمرت التعليم، والنشاط الاقتصادي والموارد، ونهبت المرتبات، وفرضت إتاوات على التجارة، وحاصرت تعز، وقطعت التواصل بسبب الحرب بين مختلف المناطق.

الحرب الخارجية الأشد فتكاً ودماراً طالت الأحياء المدنية والمدنيين والأسواق الشعبية والمستشفيات والقرى الآمنة وصالات الأعراس والعزاء في غير منطقة، وصالة العزاء الكبرى في صنعاء خير مثال وشاهد.

الحرب الخارجية تتضافر وتترافد مع الحرب الداخلية في تقتيل وتدمير شعب منكوب بالمجاعة التي تصل إلى أكثر من 80 % وقتلاها يتجاوزون العشرة آلاف، والمعاقون بمئات الآلاف، والمشردون بالملايين، والكوليرا تفتك بالمئات، وتصيب الآلاف، ويكاد الحصار يخنق البلد كله، ويتفشى التطرف والصراع والإرهاب في اليمن شمالاً وجنوباً بتشجيع أطراف الحرب.

العدوان الخارجي، وعبر طيرانه المسيطر على الأجواء اليمنية، يقترف، ولعشرات المرات، أبشع الجرائم بحق الحياة، وارتكب جرائم حرب وضد الإنسانية، وعلى مدى سني الحرب تستخدم السعودية نفوذها الدولي، وتدفع بأصدقائها من اليمنيين وأنصار عبد ربه منصور لمنع تشكيل لجنة دولية محايدة ونزيهة ومستقلة للتحقيق في جرائم الحرب كل جرائم الحرب.

موقف السعودية و«التحالف» و«الشرعية» والأحزاب الضالعة في الحرب والمؤيدة كلها تتخذ موقفاً ضالعاً في الجرائم ومؤيداً لها، ويشن إعلام بعض الأحزاب الضالعة في الحرب حملات ضد اللجنة الدولية لأنهم جزء أساس من جرائم الحرب.

تتصاعد الدعوات لفتح تحقيق دولي بانتهاكات حرب اليمن، وتطالب «هيومن رايتس ووتش» وما يزيد عن 56 منظمة عربية ودولية، بفتح ملف تحقيق في الجرائم، وتشكيل لجنة دولية محايدة، وتلقى الدعوة استجابة لدى الرأي العام الدولي، ويتبناها بعض الشخصيات القريبة من الأمين العام للأمم المتحدة؛ فإن «الشرعية» ومناصريها من أطراف الحرب والموالين يشكلون وفداً كبيراً من الوزراء والمسؤولين والمؤيدين للذهاب إلى جنيف؛ رافضين الدعوات الإنسانية والوطنية والأممية للتحقيق في كل جرائم الحرب المقترفة من الأطراف الداخلية أو «التحالف» بقيادة السعودية. رفض تشكيل لجنة دولية محايدة ونزيهة تدين طرف «الشرعية» و«التحالف»، يكشف أن أمن وسلام البلاد لا يعني لهم شيئاً، بل يعني إنهم وارطون في هذه الجرائم، والمؤسف أن بعض الأحزاب والشخصيات الوطنية تتورط في تبعة رفض التحقيق في جرائم الحرب عبر المجتمع الدولي بعد أن فشلت «الشرعية»، وهي طرف في الحرب، في أي تحقيق، وقد سبق لها وأن شكلت لجنة وطنية لم تستطع عمل شيء في ظل انقسام البلاد وتفككها، ووجود تحالف حرب خارجي، لا تستطيع اللجنة المحلية عمل شيء مع جرائمه المتزايدة والمتواصلة.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم