السلام والحرب .. مقاربة فكرية سياسية تاريخية (1-3) | اليمني اليوم
السلام والحرب .. مقاربة فكرية سياسية تاريخية (1-3)

 

 

الإهداء:- إلى أنيس حسن يحيى قائداً ومعلما،ً إليه واحداً من أبرز وأهم أعلام السياسة، والوطنية اليمنية المعاصرة . إليه حيثُ هو ،مع كل المنى .

1-السلام والحرب في سياق تاريخي :-

 

إن الحرب استمرار للسياسة بطرق أخرى ، لتعذر الحل بالطرق السياسية والسلمية ، والسياسة في تعريفها العميق تعبير  مكثف عن الاقتصاد "المصالح المادية" ، وهذه من بديهيات القراءة الأولى في الفكر السياسي وفي تاريخ تطور المجتمعات ، ومهمة الباحث السياسي ،والتاريخي ، والمثقف المشتغل بالسياسة وفي البحث العلمي أن يكشف عن المصالح السياسية والاجتماعية والطبقية التي تتجلى أو تتخفى  وراء أي حرب ، ومنها الحرب اليمنية الجارية اليوم . أي أن للحرب أسباباً ، وهو ما نحن  نُصنَّف به "كسياسيين ومثقفين وباحثين" مطالبون بالكشف والتنقيب والبحث عنها ، والتعاطي معها لتقديم قراءة واقعية موضوعية لتفسير وفهم أحوال وخلفيات نتائج أي حرب ، بعيداً عن خطاب العموميات ، ونقد الحرب ونتائجها بالإطلاق تحت عناوين مريحة : طرفا الحرب ، الأطراف المتصارعة ، الأطراف المتقاتلة ، أنا شخصياً مع من يعتقدون ويرون أن الأسباب النهائية "النتائج" ، تقع في الميدان السياسي الاقتصادي وفي الابعاد الاجتماعية الطبقية لها ، ومن هنا يأتي الحديث عن حروب عادلة تقدمية في صيرورة التاريخ الاجتماعي ، وحروب غير عادلة تهدف إلى الاستغلال والقهر والاستبعاد واستعباد  الغير ، أما الحروب العادلة فهي حروب  من أجل الحرية والتحرير وانتزاع الكرامة الوطنية ، والإنسانية سواء في مقاومة الاستعمار الداخلي "من أجل الحرية ، ونقض الاستبداد "أو في مقاومة قوى الاستعمار الأجنبي "مقاومة وطنية – وقومية" وعلينا أن نقرأ أي حرب من خلال أهدافها ومضمونها السياسي الاجتماعي الاقتصادي في كل مرحلة معينة، وغالباً ما كانت الحروب العادلة في آفاقها الوطنية ، والتقدمية هي  مدخل الشعوب والإنسانية قاطبة لتعزيز مكانه السلام ، والأمن الاجتماعيين في المجتمع  على الصعيد الوطني ،والعالمي،  وليس فيما نذهب إليه دفاعاً عن الحرب "أي حرب" ، أو تبريراً لها ، فالحرب  قائمة باستمرار الأسباب المنتجة لها سواء على مستوى الشعب الواحد والدولة الواحدة ، أو على صعيد علاقة الشعب بالشعوب الأخرى ، أو على المستوى العالمي في المرحلة الاستعمارية الامبريالية والعولمية اليوم ، وهي أمور وقضايا غير مرتهنة بالرغبة الذاتية أو بوعي البشر وإرادتهم الخاصة ، وإنما بعمق المصالح  المعبرة عنها ، وفي هذا السياق نعلن بوضوح أننا لا نتفق مع الانقلابات العسكرية على الحياة السياسية السلمية المدنية ، والدستورية في الظروف الطبيعية "المستقرة" ، لأن في ذلك عملاً مجنوناً مدمراً للمجال السياسي بفرض استخدام القوة "السلاح" ، والإكراه كوسيلة للحصول قهراً على المصالح العامة ، وهي البوابة لحرف السياسة إلى نفق / الحروب المدمرة ، و خاصة حين يكون الانقلاب تعبيراً عن حاجة "فئوية" ، وتجسيداً لأهداف متناقضة والمصالح الكلية "العامة" لأغلبية الشعب والمجتمع ، وبهذا المعنى لا تكون الحرب استمراراً للسياسة بوسائل أخرى أكثر عنفاً فحسب ، كما أشار المفكر العسكري "كلاوزفتز"، بل تكون الحرب بداية لتعميم عنف وإرهاب القوة ، مصادرة للسياسة واستبدالها بالحرب كعنوان للحياة ، نكون معها أمام انقلاب جذري على عملية سياسية حوارية قائمة ، "سياسة مضادة للواقع ومناقضة لتقدمة التاريخي" أي إقصاء وإكراه للخصوم  للقبول بقوة السلاح بالنتائج النهائية للحرب ، "فرض منطق أمر  واقع" إن للحرب / الحروب عموماً  أبعاداً  ومعاني وتعريفات مختلفة :فلسفي ، سياسي ، اقتصادي ، اجتماعي ، قانوني ، نفسي ، ديني /طائفي "إثني" عرقي إلخ.. والوسيلة الوحيدة للقضاء على الحرب /الحروب تتمثل في إزاحة وإزالة أسبابها ، أي في منع جعل العنف ، والسلاح وسيلة للاستيلاء على حق الغير "أرض-مال-سلطة /حرية" وبذلك وحده نلغي ونزيل أسباب الحروب بين الداخل وبعضه البعض ، ومع الخارج ، وفي هذا الصدد من المهم الإشارة إلى أن هناك مدارس ومذاهب مختلفة في تفسير وتحليل ظاهرة الحرب منهم من يعيدها إلى أسباب سيكولوجية "نفسية" ، أو غرائزية عائدة لطبائع عدوانية كامنة في الذات البشرية ، ومنهم من يحيلها إلى أسباب عقائدية أو ببيولوجية  ،  ومنهم يرى أسبابها في الطمع وفي الخوف ، بل ومنهم من يعيدها "الليبراليون" إلى غياب النظام "الانتخابي" ، وحتى إلى الانفجار السكاني "المالتسيون" ،  وفي كل الأحوال الحرب ، والسلام ، قضايا ، ومفاهيم سياسية اجتماعية اقتصادية ، أي أن السلام ليس قيمة في ذاته مجردة  إلاَّ في "نطاق" التعريف الفلسفي والسياسي العام ، أما السلام في الممارسة فقضية تتأثر بما حولها في الواقع من صراعات وتناقضات ، ويخضع في تعريفه وتحديد معناه لكل ما يحيط به من فعل وحركة سياسية اجتماعية ، والصراع في عمقه السياسي / الطبقي هو المحرك للتطور الاجتماعي ، فتاريخ المجتمعات جميعها هو تاريخ تحولات الصراع داخل المجتمع وبين شرائحه ، وفئاته وطبقاته "نظرية لم تسقط وتؤكدها وقائع الحياة ". / وفي قلب العملية الصراعية هناك تجاذبات مصالح بين طرفين ، أو أطراف عدة ، منهم من يسعى للحفاظ على النظام الاجتماعي –الاقتصادي ، وآخر يعمل لتغييره ، منهم من مصلحته السياسية والمادية الحفاظ على ما هو قائم من قهر واستبداد واستعباد ، ومن ركود تاريخي في المجتمع وفي قمة السلطة السياسية التاريخية " المركز السياسي التاريخي" ، وهناك من يكافح بدأب لنقض معادلة الاستبداد السياسية التاريخية كحالنا في اليمن المتجسدة في أيديولوجية "الأصل" و"الفرع" ، وهي في تقديرنا استمرار تاريخي لأيديولوجية" المركز /الهامش" "المركز /والمحيط" المركز في هيئة طوق صنعاء / الهضبة الشمالية ،والهامش في صورة بقية جغرافيا اليمن، وهي في الواقع أيديولوجية سياسية /تاريخية ما تزال معشعشة – مع الأسف- حتى في عقول بعض السياسيين والمثقفين التقدميين "المتياسرين" ، وأن في حالة "تقية" كامنة لا يعلن عنها ، فقط يتم الصمت عنها ،واستحضارها في سنوات الجمر ، والرماد – مع الاعتذار للمفكر الاجتماعي هشام شرابي-  حيث زمن الحرب هو من يفضح الجوهر المكين الكامن في عقل هذا البعض حين نجده يتخفى تحت مسمى  "الوطنية اليمنية" و"الهوية اليمنية التاريخية "حتى"العدوان" مؤكداً انحيازه من باب "التقية" لتبرير استمرارية دولة المركز السياسي التاريخي "المركز /والهامش" حيث جوهر الصراع لا تحدده الجغرافيا ، والديمغرافيا  على إطلاقها ، "هناك الفقراء المحرومون من كل تاريخ الفيد والنهب في الهضبة " ، ومن هنا تأكيدنا على المصالح السياسية والاقتصادية المحتكرة تاريخاً في جب  النخب  المشيخية  والعسكرية في رأس هذا المركز السياسي الجغرافي،  من الإمامة الهادوية  حتى ما يحصل اليوم من تحالف الحوثي / صالح "القاتل / والمقتول" في معادلة احتكار السياسة والسلطة والثروة، كتجسيد اجتماعي أيديولوجي لذلك الوعي التاريخي العميق المحتجب خلف مسميات عديدة ، لأن جوهر الصراع سياسي / اقتصادي ، يتمحور حول قضية السلطة / والثروة ، وليس المذهب والطائفة سوى غطاء أيديولوجي لذلك الاحتكار، لأن المطلوب هو إعادة قسمة عادلة وليست "قسمة ضيزى"  على منوال "محاصصة / شكلية"،  المطلوب قسمة عادلة للثروة ، اجتماعياً ، وطبقياً ، ووطنياً والشق الآخر تفكيك واقع احتكار السلطة في نخبة طوق صنعاء "رموز حاشد وبكيل" جناحي اليمن كما يسميها البعض ، وهو في تقديرنا البعد السياسي الاجتماعي للانقلاب ، وللصراع وللحرب ، وتلكم هي المشكلة /الأزمة ، ومن هنا يأتي قولنا وتأكيدنا بالضرورة الوطنية لتفكيك أيديولوجية "الفرع/والأصل"  "المركز /والهامش" ، لصالح تعددية سياسية اجتماعية وطنية جديدة تلغي فكرة وقضية المركز /والهامش "المواطن /والرعوي" . إن جزءاً هاماً "وليس كلاً " من أسباب الثورة على عبدربه منصور هادي كرئيس أفرزته شروط ثورة شعبية تاريخية "فبراير 2011م" آتية من جذر ذلك الوعي الأيديولوجي /السياسي التاريخي ، كيف لاسْمٍ من خارج منظومة "المركز السياسي التاريخي" أن يجلس ويتصدر موقع رئاسة الدولة؟!"سابقة خطيرة"  وكلنا ما يزال يتذكر كيف كانت معادلة "المجلس الجمهوري" بعد 5نوفمبر1967م ، محاولة خجولة للانعتاق من هيمنة حكم المركز في شكل حكم "أهل الحل والعقد/ التفاف على الخيار الجمهوري" ، والتي بقيت تحكم وتتحكم بمضمون صيغة المجلس الجمهوري الذي لم يستطع القاضي /عبدالرحمن الإرياني  فكاكاً منه "المركز" ، ولذلك كان اعتكافه المتكرر بين دمشق /وتعز، إلى التهديد المتكرر بالاستقالة بعد أن عزَّت واستعصت عليه إمكانية إدارة السياسة والدولة  كرئيس ، بعد أن أريد منه أن يبقى "مشقراً" ، وبعده الرئيس إبراهيم الحمدي الذي تم اغتياله لدعوته لبناء الجيش الوطني ، ولطرحه مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة ..، وتعبير "المشقر"  في -السياق المشار إليه -هو لنائب رئيس دولة الوحدة علي سالم البيض ، والذي أريد له باسم الوحدة والقيادة الجماعية عبر "مجلس الرئاسة" أن يبقى مشقراً "فرع/للأصل" ولذلك –ولغيرها من الأسباب كانت حرب 1994م تعبيراً عن رغبة كامنة ، وعميقة للحفاظ على صيغة الحكم التاريخية ، دولة المركز / المخزن/ ضداً على الشراكة  الوطنية للجنوب ، وكل جنوب الشمال ، وتعويقاً لإمكانية قيام دولة وطنية مدنية حديثة ، وفي تقديرنا أن المطلوب اليوم هو نقض هذه المعادلة والصيغة السياسية التاريخية جذرياً ، لصالح دولة مواطنة ، وعدالة وحرية . "وقد بدأت هذا التفكيك ثورة فبراير 2011م" ، وبهذا المعنى نعيد جوهر الصراع إلى عمقه السياسي السلطوي الاقتصادي "المادي" بعيداً عن تهويمات المذهبية ، والسلالية ، والهوية الجغرافية ، التي يجري توظيفها سياسياً لحرف جوهر الصراع السياسي "السلام/والحرب" عن مضمونهما الواقعي ، وهذا هو الأساس السياسي /المادي/الاقتصادي لفهم جوهر الصراع "السلام /والحرب" ليس في اليمن ، بل وفي كل العالم ، فالوجود الاجتماعي "المادي" هو من يحدد الوعي الاجتماعي ، وليس العكس ، وهذه واحدة من جدليات الفكر العلمي ، وهو هنا لا يحددها بعلاقة "الانعكاس" الميكانيكية "الستالينية" بل بعلاقة التأثير المتبادل  والتفاعل الابداعي بين الوعي ، والوجود الاجتماعي  .

ومن هنا تكون قراءتنا لمسألتي الحوار والصراع ، وتأكيدنا باستمرار أن السلام والحرب وجهان لعملية موضوعية /سياسية اجتماعية تاريخية واحدة ، وحلم البشرية الإنسانية  هو إنجاز مجتمع السلام على قاعدة العدالة ، والحرية والكرامة الإنسانية حلمنا ، ومدخلنا جميعاً للسلام والسلمية .

إن السلام ليس مذهباً عقائدياً "دوجما" ولا هو أيقونة جاهزة كما يذهب إلى ذلك بعض رموز الاتجاهات النظرية باعتبار السلام لحظة ليبرالية مطلقة خالصة جاهزة في صورة اتجاه نظري ، يعادي النزاع المسلح ، ويدعو للمحبة والإخاء ، لأننا نرى السلام مشروعاً لإعادة إنتاج وطن بديل نقيض للاستبداد والطغيان والفساد ، وبذلك فالسلام مشروع مقاومة لشرط انتاج الوسائل الإيجابية /العملية للسلام والسلمية ، وليس فحسب خطاباً شعارياً مجرداً من أي معنى ومضمون ، السلام كموقف ورؤية هو شرط لإزاحة وإزالة مشروع الحروب ، فلا يكفي استنكار الحرب واعتبارها خطئية وجريمة ، لا يكفي التنديد بالحرب،  بل إزالة أسباب الحرب / الحروب وهو الأهم ، علينا أن نفهم الاسباب الواقعية التي تؤدي للحروب في الداخل ، وضد الخارج ، ففي قلب الحرب الاستعمارية الأولى أدان "لينين" بالفكر وبالسياسة وبالموقف ، الحرب واعتبرها حرباً "لا وطنية" إمبريالية استعمارية ، وبعد انتصار ثورة أكتوبر 1917م رد على المشاريع الرأسمالية للحرب بطرح شعار "التعايش السلمي بين الشعوب والدول" رافضاً حروب الاستعمار ، والاستيلاء على ثروات الشعوب عبر السيطرة على أسواقها  "المستعمرات" ، ورأى أن الحرب /الحروب ليست أبداً قدراً محتوماً ، وأن الرسالة السياسية التاريخية للقوى التقدمية في العالم هي إزالة أسباب الحروب ، وبناء مجتمع السلام  والعدالة ، والحرية على الأرض ، هناك من يستنكرون وينددون بكل الحروب دون تحديد ، وتفريق بين حروب الدفاع عن النفس ، وعن الحق ، والعدل ،والحرية والأرض ، وبين حروب عدوانية هدفها استعباد الآخرين ، وهنا من المهم التنبيه أن البعض في التاريخ السياسي كان يستخدم خطاب السلام  لتبرير الرضوخ للاستبداد والاستعباد والقهر ، والطغيان باسم معاداة "الفتنة" ، والحروب وتجنب الفتن التي تفرق وحدة الأمة ، وفي الفقه السياسي الإسلامي هناك فتاوى عديدة تتيح المجال أمام إعادة إنتاج الطغيان والاستبداد باسم درء الفتن "الحرب" ، "محنة تزول ولا فتنة تدوم" وما شابه ذلك .

إن السلام والسلمية وإيقاف الحروب ، تعني كفاحاً سياسياً مدنياً ديمقراطياً من أجل السلام على طريق فلسفة سياسية نقدية من أجل السلام ، ونقض شروط الحرب / في واقع النظام السياسي القائم ، تبدأ بالكشف عن الجوهر السياسي والاجتماعي للحرب الجارية ، وكيفية تجاوزها بنفي الشروط المنتجة لها في الواقع  ، وليس فقط بالتنديد الخطابي بها ، واستنكارها واعتبارها في العموم والمجرد خطيئة وجريمة ، موجهين نقدهم لجميع أشكال الصراع باعتبار الصراع – كما يقولون- هو أساس كل الحروب ، متجاهلين أن الصراع كحقيقة موضوعية معبرة عن التعدد ، والتنوع والاختلاف ، و هو سنة الحياة ، وكنه التقدم في التاريخ ، وللصراع أبعاد ومستويات مختلفة لا يمكن إنكارها ، أو القفز عليها ، قائمة برغبتنا أو بدونها منها : الصراع السياسي والأيديولوجي والاجتماعي والاقتصادي  والوطني ، والقومي ، وجذر الصراع في تحوله إلى حرب يعود  إلى القهر السياسي /الاقتصادي لأغلبية المجتمع من قبل أقلية ، أو طغمة تحتكر السلطة والثروة ، والصراع في التاريخ السياسي الاجتماعي هو القابلة المحركة للتقدم في التاريخ الإنساني كله .

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم