فقه السياسة بين الأيديولوجية والتاريخ. (4-5) | اليمني اليوم
فقه السياسة بين الأيديولوجية والتاريخ. (4-5)
الإهداء:- إلى العميد / عدنان الحمادي. قائد اللواء 35 مدرع / مفجر الشرار الأولى للمقاومة في كل الوطن انطلاقاً من تعز-الثورة. إليه كرمز من رموز ما تبق من المؤسسة العسكرية الوطنية ، الذي لم يرهن ولائه بإي مشروع سياسي صغير،أو حزبي ،وجعل مصلحة الوطن /اليمن فوق كل اعتبار . إليه : مع كل التقدير والإجلال . لقد عرف التاريخ الحديث ، والمعاصر ، العنصرية الاستعمارية ( مع تحول الرأسمالية إلى ظاهرة إمبريالية ، وقبلها ) في المناطق التي احتلها ، كاستعمار أجنبي ، على أن الأخطر منها اليوم هو محاولة البعض كما هو حالنا في اليمن ، استرداد ، أو استعادة حكم دولة عنصرية (استعمار داخلي) (بحق إلهي) هي الأبشع في تقديرنا من زاوية أن الأولى وحدت الجبهة الداخلية ، وعمقت أواصر صلة المتحد الاجتماعي الوطني ، ببعضه البعض ، في مقاومة ومواجهة العنصرية الاستعمارية الإمبريالية ، وصاغت بنية خطاب وطني جامع ( أيديولوجية حركة التحرر الوطني والقومي العربية ) خرجت فيه ومنه الجبهة الداخلية الوطنية متماسكة وموحدة نسبياً على قاعدة بناء دولة وطنية ديمقراطية ، أما الثانية : العنصرية السلالية ، والجملكية ، في شروط حرب (الاسترداد /والجملكية) الجارية ، فهي الأكثر سوءاً ، وبؤساً ، لأنها تقوم على تمزيق وتفكيك وتشظي المتحد الاجتماعي الوطني ، وهي بهذا المعنى ، في سلوكها ونتائجها ، على السياسة والاجتماع ، والتاريخ ، هي الأبشع من العنصرية الاستعمارية ، وهو ما تعلنه نتائج الحرب الجارية على الصعيد السيكولوجي ، والثقافي ، والاجتماعي والوجداني ، والسلوكي الذي تتأسس فيه اليوم ثقافة ارتدادية ، يتراجع فيها ومعها مشروع الدولة الوطنية المدنية الحديثة لصالح المشاريع الصغيرة ( المذهبية ، والطائفية ، والسلالية ، والجهوية ، والقبلية) ومع ذلك يأتي من يتحدث لنا عن الأطراف المتصارعة ، والمتقاتلة ، وطرفي الحرب ، متجاهلاً الآثار السلبية الكارثية ، والتراجيدية ، على كل المستويات ، لنتائج تحالف الانقلاب والحرب ،الحوثية / الصالحية التي ستستمر آثارها الجارحة لقرون قادمة. اليوم لا تستطيع أن تمر وتسير في الطرقات ، والشوارع ، ومن أمام المدارس وفي داخلها ، وفي أسوار الجامعات وداخلها ، وجميع وزارات ومؤسسات الدولة المختلفة ، حتى على زجاج السيارات المارة من أمامك على الطرقات ، إلا وترى صور القادة الحوثيين ، (ومجاهديهم)، (وشهدائهم) ومقابرهم المميزة تملأ الساحات ، "لدرجة افتتاح رسمي لشريط مقابر جديدة كإنجاز " و شعارات وخطابات الحرب تصفعك أينما اتِّجهت ، والأحاديث المذهبية ، في تمجيد -وما يزعمون- بلغة مذهبية ، عنصرية ، تعبوية ، وتحريضية ضد الآخر (الطابور الخامس) ، و"كفار التأويل"في استعادة فترات صراعية من متون صفحات التاريخ الكالحة، وإعادة إنتاجها وإخراجها وكتابتها والترويج لها بعقلية ثأرية انتقامية بائسة (بكائيات) ، وفي تعدٍ على رؤى ، وقيم الآخرين ، وعلى قيم ثقافية تاريخية أساسية للمجتمع ، وفي تصوير قادة الانقلاب بأنهم( رسل الله المقدسون) إلى المجتمع والشعب ، رسل إنقاذ ، حتى تصوير حسين بدر الدين الحوثي الأخ الأكبر لزعيم "أنصار الله" بأنه ، (قرآن ناطق) ،ويتحدثون اليوم علناً أنهم (لن يفرطوا في دم الحسين القديم والجديد "، ولذلك كان مقتل علي صالح حين حان الحين، وقد قالها يحيى بدر الدين الحوثي- لن نفرط في دم القرآن الذي يمشي على الأرض صاحب أول صرخة في وجه قوى الاستكبار الداخلي، والخارجي ومؤسس بذور المسيرة القرآنية وصانع رجال الرجال السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي ) ، وغيرها من الأوصاف المقدسة ، ترفعه فوق الشعب ، والناس ، لأنه رسول إنقاذهم من الفساد ، ومن الانحراف عن صحيح الدين ، وتحويل يوم موته أو قتله ، في حرب تمرده على الدولة إلى مناسبة طقوسية دينية ، ووطنية ، وتحويل قبره إلى مزار، يوازي استشهاد الحسين ابن علي ، رضي الله عنه ،وهذا هو أحد أوجه تجليات الحرب الأيديولوجية ، والسياسية الجارية ، واستمرار مكمل لها على صعيد الخطاب ، تبريراً وتفسيراً وشرعنة سياسية ، وعملية لاستمرار الانقلاب والحرب ، هو عملياً رخصة وفتوى فقهية ، لشرعنة الحرب دينياً، وطائفيا ً، والسؤال هو: هل من يصر على إنتاج مثل هذا الخطاب وتعميمه لديه استعداد للتنازل عن السلطة التي بين يديه ، ووقف الحرب ، سؤال مفتوح للجميع للتفكير فيه؟ هل ممكن لمن لم يقبل بشراكة علي صالح في جزء من السلطة / والثروة ، أن يقبل بالحوار والسلام مع الأخرين على قاعدة الندية والمساواة ؟! إن جميع المعطيات المادية والسياسية، ومفردات الخطاب السائد السلالي تقول : حقيقة واحدة إن الانقلاب لم يأت من فراغ ، بل جاء ليفرغ الفضاء الاجتماعي والسلطوي- بعد احتلالهما- من السياسة المدنية ،ومن السلم الأهلي ، ويملؤهما بالعنف ، وقوة الغلبة ، وليست الحرب الجارية التي من أولى مهامها ضرب فكرة وقضية المواطنة المتساوية ، والحرية ، وبدرجة اساسية مصادرة الدستور "كعقد اجتماعي جديد" تنتظم حوله علاقات اليمنيين ببعضهم البعض ، وفي علاقاتهم بمؤسسات الدولة والسلطة ، في إطار دولة وطنية مدنية اتحادية ، دولة حديثة تقطع جذرياً مع تاريخ دولة المركز العصبية ، والفردية ، ( التي شملت اليمن كله من بعد حرب اجتياح الجنوب في العام 1994م)، والذي تشكل الحراك الجنوبي السلمي في 2007م كرد فعل سياسي وطني ضد هذه الحرب الكارثية التي دمرت أسس ومقومات فكرة الوحدة في واقع الممارسة ، وفي العقل السياسي الشعبي الجنوبي ، و جاءت ثورة فبراير 2011م لتقطع معها و مع بنية كل النظام ، وتعلن بداية سقوطه وأفوله ( دولة المركز السياسي المقدس)، ومن هنا كانت الخطوات الأولى لبداية الحرب ، على الثورة ، وفي الأساس منها الحرب على نتائج مخرجات الحوار الوطني الشامل ، التي أكدت على مسألة الدستور الاتحادي ، والدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية ، ولذلك كانت الحرب الراهنة. إن مقدمة اختطاف الدولة كان في اختطاف الدستور مع حامله ، في ظاهرة تراجيدية وكوميدية ، كانت ملفتة للنظر ، وهي أن الانقلاب كان البروفة العسكرية لتمرير مشروع سياسي صغير "هوياتي" ضداً على كل العملية السياسية ، وعلى كل التوافقات السياسية الوطنية والدستورية ، أما التسمية الحرفية له بــِ(الانقلاب) فإنه ثورة مضادة شاملة على السياسة والواقع والتاريخ خاصة بعد أن شعرت الجماعة السلالية ، والعائلة الجملكية "علي صالح" أن أوان غياب وغروب شمس دولة العصبية والمركز المتخلفة ، قد استكمل حلقات غسقه ولم يتبق سوى إسدال الستار على مغيبها التاريخي ، ومن هنا كان الانقلاب ، والحرب الممتدة على كل البلاد. تقول فلسفة الفكر التقدمي ، إن الثورة تندلع حين لم يعد بوسع الناس (المحكومين) العيش بالطريقة القديمة والقبول بها ، ولديهم تصور للبديل السياسي كمشروع تاريخي ، بدأت الإعلان عنه ثورة فبراير 2011م ، ومن الجانب الآخر وصول النظام القديم إلى أفق مسدود في علاقته بالناس ولم يعد بإمكان الحكام الطغاة الاستمرار في حكم الشعوب بالطريقة القديمة التي ألفوا عليها في حكم المقهورين ، تكون معه الثورة ضرورة اجتماعية ، ووطنية ،وتاريخية، وأسباب ودوافع الثورة المضادة الراهنة تتمظهر في صورة معاندة للواقع وإنكار له ولإرادة التغيير الصادحة موسيقاها في كل الأرجاء، في شكل فرض الانقلاب وتعميم استمرار منطق الحرب على كل البلاد وإطالة أمد عمرها لتقضي على ما تبقى من فكرة الدولة في عقول الناس، وليس حتى مطلب استعادة الدولة ، لأن الدولة على أي مستوى وبأي معنى ديمقراطي أو شمولي ، هي ضد ونقيض لفكرة وجود الميليشيات ، "من أي طرف كان" ومن هنا كان حربهم على الدولة ، ناهيك عن الدولة الديمقراطية الاتحادية . إن الدولة المدنية (الوطنية) الاتحادية في أبسط تعريفاتها ، هي دولة مواطنة ، ومساواة وحرية ، وعدالة ، وحقوق ، وكرامة ،إنسانية ، وجميعها مفردات ، ومعطيات نقيض لمشروع أيديولوجية دولة الحوثي - صالح ، اللذين كانا معاً يقاتلان في سبيل استمرارها وديمومتها، واليوم يستمر الحوثي وحيداً مع من بقي معه يقاتل ، ولو على قاعدة حكمه لبعض الشمال ، أو الانفصال ، وهنا كان يلتقي الحوثي، صالح مع بعض أقسام الحراك الجنوبي القائلة بفك الارتباط، والانفصال بدون رؤية ، وكذا دون إدراك سياسي عميق لطبيعة الحالة الوطنية المعقدة اليوم والآن ( شمالاً، وجنوباً)، وتناحرها وتنابذها على صعيد كل شطر ، ناهيك عن فهم واقع موازين القوى الإقليمية والدولية الراهن اليوم في موقفها "المتغير وغير المستقر" من حيث المبدأ من دعوات فك الارتباط ، واستعادة الدولة وتقرير المصير ، مع إقرارنا السياسي الواضح بالحق السياسي في تقرير المصير والسؤال الواقعي هو : هل يملك شعار فك الارتباط أو تقرير المصير أو استعادة الدولة في واقع ما هو جار اليوم إمكانية تحول مثل هذه الشعارات إلى واقع ؟ وهل سياسياً وعملياً ، تتلاقى مثل هذه الدعوات مع أهداف عاصفة الحزم واستعادة الأمل بصورة استراتيجية ، ومع أحلام الناس بالتغيير على قاعدة إسقاط الانقلاب ودحره ؟ التي من أول أهدافها الاستراتيجية (سياسيا ً، وعسكرياً) استعادة الدولة ، و تسليم سلاحها المنهوب ، وعودة الشرعية ، تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ، 2216، والجميع يعلم أن الشرعية هي من استقدمت التحالف العربي لمساندة استعادة دولة اليمن الشرعية ، وأن التحالف العربي يفترض أن يعمل ويتحرك تحت غطاء الشرعية وليس فوقها - على الأقل اسمياً وأمام القانون الدولي دون إنكار أن تدخله العسكري والسياسي ، هو من ساهم عسكرياً ، وسياسياً ، في إسقاط ودحر الاجتياح الثاني للجنوب اليمني بمقاومة أبنائه على الأرض الذي بدونه ما كان ذلك التحرير ، وما يزال دوره "التحالف" ومهمته لم يستكملا بعد ، وفي مثل هذه الاوضاع الصعبة والتحديات القائمة في صورة الحرب التي فرضها تحالف الانقلابيين على كل البلاد والتي ما تزال أخطارها قائمة، وبقوة مع استمرار الحرب ، وتدفق السلاح من إيران ، أخطار قائمة ليس على استمرار الوحدة ، بل وعلى استمرار وحدة وتماسك الشمال ، والجنوب . في تصوري أنه من غير الممكن أن نفهم سياسياً وبصورة إيجابية دعوة البعض إلى تشكيل مؤسسات سياسية أو عسكرية تضع نفسها سلطة موازية لسلطة الشرعية القائمة التي ما تزال حربها ، مستمرة ضد الانقلاب ، وما يزال خطر الانقلاب محدقاً بالجميع ، وخاصة المناطق المحررة في وضعها القلق والمرتبك الراهن ، ولذلك لا نرى في إعلان مثل هذا التشكيل أو ذاك، في الجنوب أوفي الشمال سوى خدمة سياسية مجانية معززة للمركز السياسي للثورة المضادة على كل المشروع الوطني الديمقراطي ، مهما كانت الأسباب والنوايا الطيبة أو الدواعي الذاتية أو السياسية لتشكيل مثل تلك التكوينات ، تحت أي مسمى كان ، لأن ذلك لا يعني سوى تمزيق وتفتيت للجبهة السياسية المعارضة لتحالف الانقلاب والحرب ، لأنه لا يعكس الإرادة الشعبية الجامعة ، وليس من حق أحد ادعاء تمثيل جميع مكونات السياسة ، وأطياف الحراك ،والمقاومة ، وكل فئات وشرائح وطبقات ، وقوى المجتمع في كل الجنوب ،أو في الشمال "بدون استفتاء شعبي دستوري توافقي وبإشراف دولي" كما أن التحشيدات الجماهيرية "حتى الملايينية" ليست هي لوحدها المقياس لاختبار الاعلان على تمثيل الإرادة الشعبية ، ولا تعدو أن تكون عملاً سياسياً نخبوياً يرتدي غطاء الشعبوية ، في استثمار سياسي انفعالي للمزاج العام الساخط والمقهور ، لا أقل و لا أكثر ،وشخصياً أؤيد وأدعم خطوة المجلس الانتقالي إلى تشكيل إطار سياسي خاص به ،على طريق توحيد جميع أطراف وأطياف الحراك الجنوبي. لا أحد يمكنه أن يعارض سياسياً ونظرياً ، حق تقرير المصير لأبناء الجنوب اليمني -وأشدد هنا على اليمني على الأقل من وجهة نظري - إن هم اختاروا ذلك ، أو حتى الناس في الشمال ، ولكن ضمن شروط سياسية ووطنية توافقية ، وفي سياق سياسي وطني عام ، "داخل الجنوب /وداخل الشمال "وفي مناخ سياسي مناسب يساعد على إنجاز هدف تقرير المصير ، ولا يعوقه ويكبحه ، لآجال طويلة، "ولا أريد أن أضرب أمثله سياسية حيه في هذا الاتجاه "وكل ذلك لن يكون في تقديري قبل دحر الانقلاب ، واستعادة الدولة ، وعودة الشرعية ، إلى فضائها السياسي التوافقي ، "على كل ملاحظاتنا على خطايا الشرعية" الأمر الذي سيجعل من إنجاز ذلك الأمر أو غيره من التوافقات ممكناً ومتاحاً ، بعيداً عن الانفعالات السياسية الحادة ، وردود الفعل العصبية التي قد يتحكم بها منطق تفكير سياسي شعبوي عابر وعنيف تعبيراً عن ردَّات فعل ، "لجريمة حرب 1994م وما بعدها من جرائم" وليس تجسيداً لفعل سياسي رشيد وحكيم له صلة بخيارات مستقبلية منشودة . الخطوة الأولى السياسية والعملية الصحيحة هي وحدة وتماسك أطياف الحراك الجنوبي على قاعدة التصالح والتسامح ، وذلك لن يكون في واقع الانقسام الحاد الحاصل بين بعض أقسامه وقواه ، وفي غياب رؤية فكرية وسياسية وطنية جنوبية جامعة وموحدة على قواسم مشتركة ، توافقية ، تنبثق عنها قيادة سياسية جنوبية ،تعكس إرادة شعبية جامعة ، إرادة جميع ألوان وأطياف السياسة ، والاجتماع الجنوبي ، وهي القاطرة المتحدثة بلغة وخطاب تقرير المصير في مناخات سياسية عامة سوية.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم