كاتالونيا.. نزعة الانفصال تضرب أوروبا ! | اليمني اليوم

كاتالونيا.. نزعة الانفصال تضرب أوروبا !

مئة عام مرت على اتفاقية «سايكس بيكو»، التي اهتمت بتقسيم نفوذ الدول الكبرى في مستعمراتها، وعلى الأخص في الشرق الأوسط، وقت أن كانت الدول الأوروبية الكبرى هي من تمتلك ناصية القرار في تقسيم ورسم حدود الدول المُستعمرَة. 
الآن تعاني أوروبا شبح التفتت والتقسيم، فهل من «سايكس بيكو» أوروبي من جديد غربي الصنع والمنشأ والتأثير الداخلي؟. فالأحداث تتزايد، ما بين المطالبة بتوسيع سلطات الحكم الذاتي، والمزيد من الاستقلالية في الإدارة، ونزعات الانفصال، ما يعمق في أوروبا معضلة الحركات الانفصالية، تحت ضغوط الإهمال والتهميش واختلاف اللغة والعرق، وأحياناً الدين، لا سيما استمرار النزعات الانفصالية في نضالها ضد الحكومات المركزية منذ عشرات السنين دون توقف.
وتأتي أهم الحركات الانفصالية الكبرى في دول أوروبا في إقليم الباسك شمالي إسبانيا، الذي تدعم انفصاله منظمة «إيتا»، التي نشأت في 1959، وتبنت العمل المسلح ضد فرانكو، وأسفرت المواجهات عن مئات القتلى، إلى حين أعلنت المنظمة توقفها عن العمل المسلح في أكتوبر/‏‏تشرين الأول من عام 2011، الذي انتهى أيضاً بمنح «إقليم الباسك» المزيد من الصلاحيات لإدارة الحكم الذاتي.
ويسهم إقليم كاتالونيا، الذي يقع شمال شرقي إسبانيا، ويقطنه نحو 16% من إجمالي سكان إسبانيا، بنحو 19 إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسباني، كما يقدم نحو 25% من صادرات إسبانيا، وتعد حصة الفرد فيه من الناتج الإجمالي نحو 24 ألف يورو، وهي أعلى من المتوسط الإسباني بقدر 18، 8%، كما جذب الإقليم استثمارات بقدر 14% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية القادمة إلى إسبانيا. وبصفة عامة يتميز اقتصاد الإقليم بتنوعه وبنيته الإنتاجية المتوازنة، مقارنة مع الأقاليم الإسبانية الأخرى.
وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة القيمة الإجمالية المضافة للقطاع الصناعي في كاتالونيا تعد 16، 7%، في مقابل 13، 4 في إسبانيا عموماً، ومتوسط 15، 8 % في دول الاتحاد الأوروبي، بحسب بيانات الاتحاد الأوروبي عام 2015.
وإذا استطاعت كاتالونيا الصمود والاستقلال، فإن المخاطر الاقتصادية سوف تحيط بالجانبين، فبداية تنتقل إسبانيا إلى المرتبة السادسة، بدلاً من الخامسة في الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، وتتعرض لنسب بطالة تتراوح بين 25 و30%، فيما تتعرض البنوك الكاتالونية لخروجها من إطار البنك المركزي الأوروبي، وإطار منطقة اليورو، وما يصاحبها من تغيرات في التعاملات التجارية والاقتصادية، التي تربط الإقليم ببقية دول أوروبا، وفق آليات السوق الأوروبية الموحدة، وغيرها من الأخطار الاقتصادية، التي قد تصل إلى حد العزلة وفقدان كاتالونيا المزايا التجارية الحالية، وبعيداً عن الاختلافات حول مستقبل الاقتصاد الإسباني، ونظيره الكاتالوني، فإن حالة الانفصال تتوقف على النتيجة النهائية لمستقبل الإقليم داخل إسبانيا، وداخل الاتحاد الأوروبي.
وتعود الجذور السياسية والتاريخية للأزمة إلى القرن الثامن عشر عندما ضمت إسبانيا إقليم كاتالونيا في عهد الملك فيليب الخامس، ومنذ وقتها لا تزال الصراعات مستمرة، وزادت حدتها في النزاع المسلح إبان حكم فرانكو، وبعد أن تخلصت إسبانيا منه، وبدأت عهداً ديمقراطياً، سارت نحو بناء دستور جديد، وأقرت فيه بالسماح لمناطق بالحكم الذاتي دون أن يكون لها حق الاستقلال التام، ومع ذلك ظلت المناوشات والصراع يتكرر بين الجانبين، إلى أن تطور في عام 2012 عبر أول تظاهرة مليونية دعمت استقلال كاتالونيا، ثم رفض رئيس الوزراء ماريو راخوي، طلب كاتالونيا بمزيد من الاستقلال المالي.

وعقب الرفض، نظم الإقليم استفتاء رمزياً غير ملزم في 2014 حول الانفصال، وجاءت نسبة تأييد الانفصال 80%، ثم تغيرت السلطة الحاكمة في كاتالونيا خلال يناير/‏‏كانون الثاني 2016 ليصل بويجد مينت، وهو الرئيس الجديد لإقليم كاتالونيا الأكثر تصميماً على الانفصال بخلاف سابقه، وتتطورت الأحداث في شهر سبتمبر/‏‏أيلول برفض المحكمة الدستورية، عقد الاستفتاء في كاتالونيا مطلع أكتوبر/‏‏تشرين الأول الجاري، واعتقلت الشرطة المركزية بعض الأشخاص من مؤيدي الانفصال، وحاولت قوات الحرس المدني السيطرة على المباني والبنية التحتية للإقليم، تمهيداً لمنع الاستفتاء، الذي تم في أول أكتوبر، بحضور 42% فقط من إجمالي سكان الإقليم، الأمر الذي بدا أن أغلبية صامتة من الإقليم لم تبد رأيها بالموافقة أو الرفض، تاركة الأمر ذريعة للحكومة الإسبانية لتستشهد بكونه استفتاء غير دستوري.
وأعلنت كاتالونيا - من جانبها - على لسان كارليس بيجومينت، أن الاستفتاء الذي جاء بنتيجة 90% موافقة على الانفصال، منح كاتالونيا حق الاستقلال؛ لكن المراقب لآلية الاستفتاء، عقب مداهمات السلطات المركزية، يجد أنه تم بدون إشراف لجنة انتخابية، وأغلقت الكثير من مراكز الاقتراع، كما أشارت تقارير تابعت الاستفتاء، بأن الحكومة الكاتالونية قامت بعدة تغييرات في تنظيم التصويت في اللحظات الأخيرة، ومن ثم فإن مؤيدي الانفصال هم من قاموا بفرز الصناديق وإعلان النتيجة، فإن الأمر يعد بمثابة حدوث إجراءات غير نزيهة، وأن نتائجه غير حقيقية إلى حد ما، فضلاً عن كونه استفتاء عبر، فقط، عن نسبة أقل من نصف سكان الإقليم، ولم يعبر عن رأي الأغلبية.
ومن جانب آخر، سبق الاستفتاء عدة تحركات دولية من طرفي النزاع، تمثلت في طلب دعم رئيس الحكومة الإسبانية من الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، التي عقبت بدورها على أن المسألة نزاع داخلي، فيما حاول رئيس الإقليم استجداء دعم الحكومات الأوروبية، التي أبدت بدورها رفضاً للانفصال، وتأييداً للحكومة الإسبانية، واعتبرت أن الاستفتاء غير قانوني، كما ذكرت بعض الدول الأوروبية، أن استقلال كاتالونيا هو شأن إسباني داخلي، وكأن الاتحاد الأوروبي هو معني بالحكومات الأوروبية وليس بالمواطنين الأوروبيين.
وبالطبع رفض الأوروبيون فكرة قبول كاتالونيا جمهورية مستقلة داخل نطاق الاتحاد الأوروبي، وخارج دولة إسبانيا، الأمر الذي تبعته مطالبة وساطة دولية من جانب كاتالونيا تحت ذريعة العنف المفرط من قبل الحكومة الإسبانية المركزية، وحق كاتالونيا في تقرير المصير والخروج من عباءة إسبانيا، التي تختلف معها في العرق واللغة، ومن ثم يبقى مصير كاتالونيا معلقاً بين صمود الانفصالين في الإقليم وصمت الأغلبية، وقدرة الحكومة الإسبانية على تصحيح أخطائها، في التعامل مع الأزمة، مع احتمالية ضعيفة لوساطة دولية للتدخل في إنهاء صراع قديم متجدد؛ لذا فإن السيناريو الأكثر تماشياً مع الواقع ومناطق القوى هو منح الإقليم المزيد من الاستقلال المالي والحكم الذاتي.
وتطرح أزمة كاتالونيا إشكالية معقدة في شكل الديمقراطيات الغربية، وتفتح الباب لمعرفة مصير الحركات الانفصالية الأخرى المتعددة في الاختلاف، من حيث العرق واللغة والدين، والتي تجعل الاتحاد الأوروبي في صراع مع الهوية الأوروبية الجامعة، وصراع مع الأقليات العرقية التي تجمعها دول بعضها يعد مركزياً يصعب الخروج عليه، وأخرى ضعيفة، وبناء عليه ما هو الدور الذي يجب على الاتحاد الأوروبي الاضطلاع به في إدماج الأقليات وفق آليات الديمقراطية وحقوق المواطنين في تقرير مصيرهم؟، وتعد من أبرز الأمثلة الأخرى في الصراع على الهوية القومية والأقليات، بلجيكا المقسمة إلى ثلاث مناطق على شكل قوميتين رئيسيتين؛ حيث إن الفلامنديين يتمتعون باللغة الهولندية ممثلة في 58% من السكان، والوالونيين الناطقين باللغة الفرنسية بنسبة 32% من إجمالي السكان، وأخيراً قومية ثالثة ناطقة باللغة الألمانية، ومن بلجيكا الدولة الصغيرة، إلى بريطانيا العظمى واحتمال تفككها، دويلات إحداها تتمثل في احتمالية استقلال إسكتلندا، وعودة الصراع المسلح في أيرلندا الشمالية، ورغبتها في الاتحاد مع جمهورية أيرلندا، وغيرها من الحركات الانفصالية في إيطاليا وفرنسا، وحتى ألمانيا في بافاريا، واستقلال الجبل الأسود وصربيا وغيرها من الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي.
ويتبنى عدد من المحللين الأوروبيين عقب استفتاء كاتالونيا وانتشار الحركات الانفصالية، نظرية المؤامرة، ملقين على كاهل روسيا مسؤولية زعزعة استقرار أوروبا مستدلين على ذلك بنشر معلومات مغلوطة بثتها وسائل الإعلام الروسية حول استفتاء كاتالونيا، ما اعتبره بعض من المحللين الأوروبيين مساعدة استراتيجية من روسيا للانفصالين في كاتالونيا، إضافة إلى ما تم الكشف عنه حول استخدام روسيا للمعلومات، التي تم الاستيلاء عليها في نشر «الأخبار المزيفة» في الأحداث الانتخابية الغربية الأخيرة، بما في ذلك الانتخابات الأمريكية لعام 2016، وقرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي، والانتخابات الألمانية الأخيرة.





باحث في الشؤون الأوروبية

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص