"القدس" في مهب التهويد ! | اليمني اليوم

"القدس" في مهب التهويد !





بلت دولة الاحتلال وحكومتها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتبار القدس عاصمة لـ «إسرائيل»، بفرح شديد، تمثّل في إعلان بنيامين نتنياهو عن أن هذا القرار معلم تاريخي. واندفع عدد من قادة العدو، وخصوصاً من التيارات اليمينية المتشددة، للإفصاح عن إيمانهم بأن القرار حسم بشكل نهائي الموقف الأمريكي لصالح الرواية الصهيونية الأشد تطرفاً. بعيداً عن المبالغة، ليس ثمة ما هو أقرب إلى توصيف الموقف الرسمي «الإسرائيلي» من إعلان نتنياهو نفسه بأن قرار ترامب يأتي في مصاف وعد بلفور، وقيام الدولة وهزيمة 1967. وقد رأى الرئيس «الإسرائيلي»، رؤوفين ريفلين، في القرار الأمريكي أفضل هدية في الذكرى السبعين لقيام الدولة الصهيونية. وأكد آخرون أن قيمة الإعلان الأمريكي يتمثّل في إقراره بواقع يرفض العالم بأسره الاعتراف به، لأنه يخالف القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه. وبديهي أن هذه الرؤية تشجع على استمرار النزعة الاستيطانية التي ترى في القرار الأمريكي مكافأة على كل ما فعلته. وبديهي أنه لا يمكن فهم مغزى القرار الأمريكي من دون مراجعة ولو عابرة للموقفين العربي والدولي من القدس وجهود «إسرائيل» النشطة لتهويد القدس على مدى سني الاحتلال الخمسين. ومعروف أنه بسبب المكانة الخاصة للقدس في نظر الأديان الثلاثة، ورغم الميل الغربي لـ «إسرائيل» في مشروع التقسيم، تم اعتبارها منطقة دولية خاصة لا تتبع لا للدولة اليهودية ولا للعربية. وتقريباً لم تعترف أي دولة بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل»، رغم إعلان ذلك منذ العام 1948. وبعد احتلال القدس الشرقية في العام 1967 رفضت كل دول العالم تقريباً، بما في ذلك أمريكا نفسها التي شجعت على عدوان 67، الاعتراف بقانون ضم القدس الشرقية. وأصدرت الأمم المتحدة، وأغلب التجمعات الدولية، مواقف وقرارات ترفض الإجراءات الصهيونية في القدس، وترى فيها انتهاكاً للقانون الدولي الذي لا يجيز احتلال أراضي الغير بالقوة أو تغيير طابعها أو نقل سكانها. وطبيعي أن قفز الرئيس الأمريكي عن كل هذه الوقائع أبهج الصهاينة، ووفّر لهم التشجيع وكافأهم على أفعالهم وامتدحها بدل أن يكون، بوصفه حسب ادعائه راعي السلام، رادعاً لها. ومن المؤكد أن هذا القرار يدفع قادة الصهاينة للتخطيط للخطوة المقبلة. وليس مصادفة أن وزراء في حكومة نتنياهو استبقوا إعلان ترامب بمطالبة الدول الأوروبية بانتهاج السبيل نفسه والاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل». ولم يتأخر نتنياهو نفسه عن مطالبة دول العالم بأسرها بالاعتراف بالقدس عاصمة لدويلته فور إعلان ترامب قراره. ولم يتوقّف نتنياهو عند هذا الحد بل أشار إلى وجوب اعتبار الاعتراف بالقدس عاصمة لـ ««إسرائيل» شرطاً من شروط أي تسوية سياسية مستقبلية مع الفلسطينيين والعرب. وقد نالت حكومة نتنياهو التشجيع أيضاً من اندفاع جمهورية التشيك للاعتراف بالقدس عاصمة ل «إسرائيل». ولم يغير من الفرح لذلك واقع، تحديد الرئيس التشيكي اعتباره القدس الغربية فقط. فالتفاصيل ليست ذات أهمية في هذا الوقت، لأن بالوسع لاحقاً تغيير هذه التفاصيل، كما حدث في مشروع التقسيم نفسه. فلا شيء يوازي في أهميته، في نظر «إسرائيل» وقيادتها، الأثر الفوري والصيغة العامة التي يمكن لاحقاً أن تحشى بوقائع جديدة أكثر تناسباً مع المشروع الصهيوني ذاته. ولا ريب في أن المشاريع الاستيطانية في القدس الشرقية على وجه الخصوص سوف تأخذ بعداً جديداً، بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة ل «إسرائيل». وواضح أن هذا الإعلان يزيل من أمام المخططات الصهيونية عقبة كانت مأخوذة بالاعتبار منذ خمسين عاماً، وهي تتصل بواقع إقرار الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن القدس الشرقية أرض محتلة. ويلغي قرار ترامب ما كانت تخشاه حكومة «إسرائيل» من رفض أمريكي، ولو شكلي، لتهويد القدس. والواقع أنه لا يمكن بدء تأريخ هذا الإلغاء بتوقيت إعلان ترامب، وإنما أصلاً بوصوله إلى البيت الأبيض. إذ بادر الكثير من مسؤولي إدارته، وأغلبهم أنصار لليمين الصهيوني المتطرف، إلى إعلان تأييدهم للاستيطان أو على الأقل إلى تجنب إدانته، كما كان يحدث في الماضي. وإذا أخذنا بالحسبان أن الاحتلال كان قسم القدس الشرقية إلى مناطق استيطانية وأخرى إلى ذخر استيطاني تحت مسمى «أراض خضراء»، فإنه لم يبق لأهل القدس العرب سوى 13 في المئة من أراضيها. وهذا ما يجعل العرب في القدس أقرب إلى الاحتباس في «غيتو» يزداد ضيقاً، خصوصاً بعد إنشاء الجدار الفاصل وتضييق الحياة داخله. ولم يدخر الاحتلال جهداً طوال سني الاحتلال عن تنفيذ سياسة تهويد القدس، خصوصاً البلدة القديمة. وبعد إنشاء الحديقة التوراتية يحاول الاحتلال إنشاء تلفريك القدس والذي سيجعل كل الأماكن المقدسة أقرب إلى ساحات عرض، تقضي على الحياة الطبيعية في المكان. وعدا عن تكثيف مساعي إنشاء البؤر الاستيطانية داخل الأحياء العربية في البلدة القديمة وفي كل أحياء القدس الشرقية، تتعاظم الجهود لإفراغ القدس من أهلها العرب. وعدا عن الحصار الذي يعيشه 130 ألف مقدسي داخل الجدار العازل، هناك مساعي تجريد المقدسيين من حق الإقامة في المدينة إذا ما اضطروا للإقامة خارجها. وهي تعتبرهم مجرد مقيمين مؤقتين، يمكنها أن تسحب منهم الإقامة في مدينتهم وقتما تشاء ولأي سبب كان. وبديهي أن قرار ترامب سوف يكثّف من هذه الإجراءات، وسوف يعزز المساعي الصهيونية لهدم منازل المقدسيين بحجة أنها غير مرخصة. وتزداد خطورة ذلك في ظل واقع تصنيف ما لا يقل عن 20 ألف منزل بأنها غير مرخصة ومعرضة للهدم في كل وقت. إن نجاح «إسرائيل» في كسب التأييد الأمريكي لموقفه، سيعزز من المساعي لمنع أية مظاهر وطنية فلسطينية في القدس. والأمر لا يتعلق فقط بالهيئات السياسية - الاجتماعية، مثل «بيت الشرق»، وإنما أيضاً بالمدارس والمسارح والهيئات الثقافية. ومعروف الجهد المبذول لمنع التزام مدارس القدس الشرقية بالمنهاج الدراسي الفلسطيني. والأمر في الغالب لن يتوقّف هنا، بل سيتجه أكثر وبعد استقرار الأوضاع نحو العودة لمخطط تهويد الحرم القدسي. وما تزايد إيمان الصهاينة بإعادة بناء الهيكل إلا التعبير الأبرز عن ذلك. ختاماً صحيح أن في القدس أهلها، وهم مستعدون لبذل الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على عروبتها، لكن من الجلي أن مهمتهم تغدو أصعب في ظل التأييد الأمريكي للصهاينة وتراخي الردّين العربي والإسلامي.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص