لبنان ..تداعيات قاتمة لصراع الديوك ! | اليمني اليوم

لبنان ..تداعيات قاتمة لصراع الديوك !





صراع ديوك سياسية، هو نمط من التجاذبات السياسية التي هي خبز لبنان وملحه. لم تنحسر يوماً إلا لتبعث من جديد تحت مختلف العناوين. والتجاذبات لها وجوه متعددة، لكن استفحالها مضر بالبلاد، لأنها أحياناً تكون عصية على الضبط والاحتواء، وتكون لها مفاعيل تدميرية كونها تلامس أكثر الملفات حساسية. في السياسة هناك اتجاهات متعارضة تتنازع القوى والأحزاب، وهي مرتبطة بأسئلة مصيرية، من مثل: هل إن لبنان دولة مقاومة قدرها أن تسير في خط الممانعة، فتفتح حدودها منخرطة في المحور الذي يريد اقتلاع «إسرائيل» بالقوة، رافضاً طروحات الداعين إلى تسوية لا تنسجم مع «اللاءات» التقليدية للعرب في زمن صعود الموجة القومية الرافضة للدولة الغاصبة، وحتى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ذات الأرقام: 242و338و49/194، المكرسة لمعادلة الأرض مقابل السلام، وحق اللاجئين السوريين في العودة؟ أم أن على لبنان أن ينضبط في منظومة الإجماع العربي الذي شرع ينحو منحى مختلفاً عما اعتاده الخطاب العربي السابق، وأن ينحاز إلى القراءة الواقعية والقبول بالطروحات المغايرة لخطاب التشدد، خصوصاً أن القرار الدولي الرقم 1701 هو الضامن للحدود اللبنانية بتعاون «اليونيفل» والجيش اللبناني؟ وفي سياق آخر هناك تجاذب قائم راهناً حول دور قوى سياسية، ذات طابع عسكري، في ما يتصل بالمشاركة في الحرب الدائرة في سوريا: هل هي مشاركة بهدف توجيه ضربات استباقية للإرهاب التكفيري وتطويق سبل نفاذه إلى لبنان وتمركزه فيه؟ أم انخراط في مخطط إقليمي إنفاذاً لخطة إيرانية ترمي إلى غلبة محور على آخر؟ هذان السياقان يرتبان تداعيات سياسية تمثل فصولاً في المواقف المتباعدة، سواء على مستوى الأداء الحكومي أو الإعلامي، تترجم في ما بعد توترات في الشارع تجعل اللبنانيين يضعون أيديهم على قلوبهم، خوفاً من انتكاسات أمنية، يدفع وطنهم ثمنها من استقراره ووحدته الداخلية. إلى هذه التجاذبات تبرز أخرى، ناتجة من ثقافة الشك والارتياب. المسيحيون - أو معظمهم- يعتبرون أن خطة تهميشهم ماضية على قدم وساق، على الرغم من محاولات الرئيس ميشال عون. الشيعة يتوجسون من محاولة انقلابية على الطائف لمصلحة ثنائية مسيحية (وبالأحرى مارونية) - سنية. السنة والعديد منهم يعتقدون بوجود استهداف يطاولهم في السياسة وغيرها، الدروز هم على ضفة الهواجس تتقاذفهم أمواج القلق. من هنا تبرز المخاوف في كل مرة يدق فيها «الكوز بالجرة». وهي مخاوف مشروعة، في بلاد تتناتشها المصالح الخاصة، ولا يعوزها الفساد وتسودها المحسوبية، خصوصاً بعد تداخل السياسي بالخدماتي، وتطييف الحراك الاجتماعي، وما الاحتجاجات «الكهربائية» و«المكهربة» في الآونة الأخيرة إلا دليل على انعكاسات التجاذبات السياسية وترجماتها الأمنية. إن لبنان يعاني وضعاً هشاً بسبب ما يجري في الإقليم من صراعات على خلفيات سياسية واقتصادية وطائفية ومذهبية، وإذا كان هناك توافق دولي - إقليمي على صون استقراره وانتزاع فتائل التفجير الموصولة في براميل البارود التي تحيط به، فإن من المفترض على اللبنانيين إبطال تقديم الذرائع منعاً لوقوع بلدهم في الفخ. التجاذبات القائمة تهز لبنان، لكنها لا تسقطه، والسؤال المطروح: إلى متى؟ وفي هذا الوقت تسود فترة هدوء حذر في الأجواء اللبنانية، بعد تجاذبات سياسية سادت خلال الأيام الماضية بين رئيس مجلس النواب رئيس حركة أمل نبيه بري، وبين وزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر (صهر رئيس الجمهورية) جبران باسيل. وهي كانت بدأت بكلام واتهامات، وتوسعت لتصل إلى حافة المس بالسلم الأهلي، لولا التطويق السريع لهذا المشهد الذي كاد يخرج على السياق المتوقع. ففي خضم ما يمر به لبنان من استقرار عام، بعد ترتيب البيت السياسي بعودة رئيس الحكومة سعد الحريري عن استقالته، وعودة العمل المؤسساتي الدستوري، وبعد أن اجتاز قطوع الحرب على الإرهاب، ونجح في دحره داخل البلد في مرحلة التحضير للاستحقاق النيابي الذي سيجري في شهر أيار/ مايو المقبل. وعلى ما يبدو فإنها ستكون مرحلة اشتباك ساخن بدأت نذره بين باسيل وبري، وربما لن تنتهي معهما إلا أنها تكاد تكون الأخطر.. وتيرة باسيل الحادة والمرتفعة شكلت مفاجأة للوسط السياسي وللشارع المؤيد له، وهي جاءت بعد توتر بين بري ورئيس الجمهورية ميشال عون، طغت عليه سجالات سياسية بعد اعتراض رئيس مجلس النواب الشهر الماضي على تمرير مرسوم ترقيات ضباط من الجيش اللبناني، في فترة تولي الرئيس عون حكومة لبنان الانتقالية قبل اتفاق الطائف، من دون المرور بتوقيع وزير المالية علي حسن خليل، ففسره بري على أنه تخطّ فاضح، وربما وراءه نية في العودة إلى الثنائية المارونية - السنية ما يتخطى الطائف وتفاصيله. كل تلك الوقائع أرخت بنتائجها عملياً، وكانت ترجمتها احتقاناً سياسياً في الشارع، حيث قام أنصار بري بالتظاهر والاعتصام حتى وصل الغضب بهم بمحاولة اقتحام المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر بالجديدة في المنطقة الشرقية لبيروت، وبعدها قاموا بتحركات في أحياء بلدة الحدث المتاخمة للضاحية الجنوبية، ما أدى إلى بلبلة كبيرة في المنطقة واستدعى تدخل الجيش اللبناني ودق ناقوس الخطر. شعر الطرفان بالخطر، فأدت التدخلات إلى ترتيب لقاء بين الرئيسين عون وبري، ومشاركة رئيس الحكومة سعد الحريري في القصر الرئاسي. هي فترة هدوء لكنها ليست استقراراً، فكل لبناني يقول إن ما يسبق الانتخابات النيابية في لبنان مرحلة شد عصب ومتاجرة بعواطف المواطن!! لذا فهو يرى أن ما قبل الانتخابات مختلف عما بعدها، إذ يجزم كثير من المراقبين بأن ما حصل هو جزء من مسرحية انتخابية داخلية طائفية، لكسب أكبر عدد من الأصوات عبر شد العصب وتظهير القوة التي وصل إليها التيار الوطني الحر، بعد أن تولى رئيسه السابق رئاسة الجمهورية.. فيما رأى البعض الآخر أنها بداية جدية للقرع على باب رئاسة المجلس النيابي للتغيير بشخص رئيسه الحالي، إذ إن العلاقة بين عون وبري والتيار الوطني الحر وحركة أمل لم تكن لمرة واحدة منسجمة. يقول العارفون في الوضع العام بالمنطقة، من سفراء ومسؤولين إن لبنان يحظى بمظلة أمنية، وإن العبث بأمنه ممنوع ؛ فهو البلد الوحيد الآمن من بين محيطه كسوريا والعراق، وإن الثقة بجيشه مستمرة، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة، إلا أن كل ذلك يسقط إذا لم يوفر اللبنانيون بأنفسهم الحماية، فلبنان محكوم بشارعه، ورسم الخطوط الحمراء مطلوب في كل وقت في التعاطي الداخلي.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص