ماذا بعد الانسحاب من الاتفاق النووي؟ | اليمني اليوم

ماذا بعد الانسحاب من الاتفاق النووي؟

دونالد ترمب

لم يكن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مفاجئاً للقوى التي انخرطت في المفاوضات مع إيران؛ للوصول إليه أو التي أبدت اهتماماً كبيراً بتداعياته النووية والإقليمية، وهو ما يعود إلى اعتبارين رئيسيين: أولهما، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من البداية كانت حريصة على تأكيد أن هذا الاتفاق لا يحول دون امتلاك إيران للقنبلة النووية؛ باعتبار أنه يتضمن ثغرات قانونية وفنية تتيح لها تطوير برنامجها، والوصول إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج تلك القنبلة.

ثانيهما، إن سياسات إيران نفسها ساهمت في تراجع أهمية وزخم هذا الاتفاق؛ بعد أن اعتبرت أنه يمنحها اعترافاً دولياً بها كقوة إقليمية رئيسية على نحو دفعها إلى الإمعان في تدخلاتها الإقليمية، ودعمها للإرهاب، وتهديدها لأمن واستقرار دول المنطقة.





من هنا، يتوقع أن تبدأ مرحلة جديدة من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ بعد هذا القرار، خاصة أن الأخيرة كانت حريصة أيضاً على تأكيد أن خلافاتها مع إيران لا تنحصر في الاتفاق النووي، رغم أهميته، وإنما تمتد أيضاً إلى الملفات الإقليمية المختلفة، التي تحظى باهتمام خاص من جانب الطرفين. وكان لافتاً أن إدارة الرئيس ترامب أصرت على اعتبار أن السياسات التي تتبناها إيران في التعامل مع تلك الملفات ساهمت في انتهاك «روح الاتفاق النووي»، على أساس أن الهدف الأهم لهذا الاتفاق كان يتمثل في المساهمة في إعادة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة، وتغيير إيران لسياستها باتجاه الانخراط إيجابياً في جهود تسوية هذه الملفات، وهو ما لم يحدث في النهاية.

وانطلاقاً من ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية لن تكتفي بالانسحاب من الاتفاق، وإعادة فرض عقوبات على أعلى مستوى ضد إيران، وإنما ستبدأ في اتخاذ خطوات أخرى؛ لتحجيم قدرة إيران على التعامل مع هذه الإجراءات، وتقليص قدرتها على ممارسة الأدوار السلبية نفسها، التي قامت بها على الساحة الإقليمية.

فقد كان لافتاً أن الإدارة الأمريكية بدأت في التلويح مجدداً بإمكانية فرض عقوبات على الشركات الأوروبية، التي سوف تواصل تعاملاتها المالية والتجارية مع إيران خلال المرحلة القادمة، على نحو ما أشار إليه مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون في 13 مايو/أيار الجاري، بما يعني عرقلة الجهود الحالية، التي تبذلها الدول الأوروبية من أجل مواصلة العمل بالاتفاق النووي مع إيران؛ حفاظاً على مصالح تلك الشركات التي أبرمت بالفعل صفقات اقتصادية مع شركات وجهات داخل إيران على غرار شركتي «توتال» و«إيرباص».

وهنا، فإن الهدف الأساسي الذي تسعى إليه إدارة ترامب يكمن في ممارسة ضغوط أقوى على إيران؛ لدفعها إلى الموافقة على إجراء مفاوضات؛ للوصول إلى اتفاق جديد يستوعب مجمل التحفظات، التي تبديها الإدارة على الاتفاق الحالي، وفي مقدمتها ما يتعلق بتطوير برنامج الصواريخ الباليستية، والقيود التي سترفع تدريجياً على أنشطتها النووية في عام 2025، أو ما يعرف ببند «الغروب النووي».

هذا التوجه الأمريكي الجديد يفرض بالفعل خيارات ضيقة أمام إيران، التي كان لافتاً أنها لم تسع إلى تنفيذ تهديدات مسؤوليها بالانسحاب من الاتفاق النووي فور إقدام الإدارة الأمريكية على اتخاذ تلك الخطوة، على نحو يشير إلى أنها تبدو مدركة للعواقب الوخيمة، التي قد ينتجها هذا الخيار.

وقد كان لذلك ارتدادات مباشرة على الأرض؛ حيث امتنعت إيران عن الرد على الضربات الصاروخية والجوية «الإسرائيلية» الأخيرة، التي قالت «إسرائيل» إنها نجحت في تحقيق أهدافها وتقليص التهديدات التي يفرضها الوجود الإيراني في سوريا، وهو ما يعود، في قسم منه، إلى انشغال طهران بالتعامل مع المعطيات الجديدة التي فرضها الانسحاب الأمريكي. فقد بدت حكومة روحاني منهمكة في مواجهة الضغوط الداخلية، التي يمارسها المحافظون من أجل عدم مواصلة العمل بالاتفاق النووي، كما أنها تبذل جهوداً حثيثة للتواصل مع دول الترويكا الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) إلى جانب روسيا والصين؛ للحفاظ على الاتفاق الذي يعد «الإنجاز الوحيد» في رؤية الحكومة.

وبالتوازي مع ذلك، سوف تبدأ الإدارة الأمريكية تحركات إقليمية؛ لتشكيل حشد إقليمي مناهض للأدوار التخريبية، التي تقوم بها إيران في الأزمات الإقليمية المختلفة، وفي مقدمتها الأزمات السورية واليمنية واللبنانية.

وهنا، فإن الإدارة الأمريكية ترغب في إضفاء وجاهة خاصة على رؤيتها القائمة على أن الاتفاق النووي لا يمثل المشكلة الوحيدة مع إيران، وأن تدخلاتها في تلك الأزمات باتت تهدد أمن ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بشكل يفرض ضرورة التدخل من أجل التعامل معها. وقد بدأت واشنطن بالفعل محادثات مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، على غرار الدول الأوروبية واليابان إلى جانب العراق و«إسرائيل» بشأن الخطوات التي يجب اتخاذها في هذا السياق.

وتوازى ذلك مع الدعم الأمريكي القوي الذي أبدته الإدارة الأمريكية ل «إسرائيل»؛ بعد قيامها بقصف مواقع داخل سوريا؛ عقب قرار الانسحاب من الاتفاق، على نحو دفع اتجاهات عديدة إلى ترجيح أن يكون قرار الانسحاب والهجوم العسكري قد اتخذا بالتنسيق بين واشنطن و«تل أبيب».

وهنا، فإن الأمر لا يخلو من دلالات عديدة، أهمها أن الولايات المتحدة لم تكن تريد تسليط الضوء فقط على سلبيات الاتفاق النووي الحالي، وإنما أيضاً على مخاطر الوجود العسكري الإيراني في دول الأزمات، الذي قد يتحول إلى مشكلة مزمنة في حالة ما إذا لم تتجه القوى المعنية إلى العمل من أجل تقليصه.

كما أن واشنطن و«تل أبيب» سعتا إلى استثمار السياق الدولي والإقليمي المواتي لذلك؛ باعتبار أن كثيراً من القوى المعنية بأزمات المنطقة لم تكن مرحبة بهذا الوجود الإيراني، الذي فاقم الأزمات ودعم الإرهاب. ورغم أن الدول الأوروبية نفسها تبنت سياسات مختلفة مع الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالاتفاق النووي، فإن مواقفها كانت قريبة جداً من رؤية الأخيرة لتداعيات الجهود التي تبذلها إيران؛ من أجل تعزيز دورها ونفوذها في مناطق الأزمات.

كما بدا جلياً أن ثمة استياء روسيا متصاعداً تجاه هذا الدور، رغم التوافق الظاهر بين الطرفين، بشكل انعكس في التفاهمات التي جرت بين روسيا و«إسرائيل» قبل الضربة الأخيرة، وعزوف موسكو عن تسليم أنظمة صواريخ «إس 300» إلى النظام السوري.

كل ذلك يتيح القول في النهاية، إن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق لا يمثل نهاية المطاف لأزمة الاتفاق النووي العالقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وإنما بداية لمرحلة جديدة سوف تسعى فيها الأولى إلى تحجيم أدوار إيران الإقليمية وطموحاتها النووية، التي باتت تهدد أمن واستقرار دول المنطقة بشكل غير مسبوق.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص