ماليزيا.. مهاتير "القديم الجديد"! | اليمني اليوم

ماليزيا.. مهاتير "القديم الجديد"!

مهاتير محمد

 

بعد خمسة عشر عاماً من تركه الحكم وفي سنته الثانية والتسعين أدى الدكتور مهاتير محمد اليمين أمام ملك البلاد، محمد الخامس الملقب ب«يانج دي- برتوان أجونج»، في القصر الملكي بالعاصمة كوالالمبور، في مراسم بثها التلفزيون الرسمي على الهواء، ليكون بذلك سابع رئيس منتخب للوزراء مرة أخرى بعد حصول الحزب الذي يؤيده على 112 مقعدا، وهو عدد كاف لتشكيل أغلبية في الهيئة التشريعية المكونة من 222 مقعدا في البلاد.
مهاتير محمد كان رابع رئيس وزراء لماليزيا منذ الاستقلال 1957، وفي 1981 تولى منصبه، وتجددت ولايته خمس مرات نتيجة انتخابات ديمقراطية حتى إنه اختار أن يترك السلطة في 2003، مقدماً بذلك نموذجاً رفيعاً لانتقال السلطة سلمياً في إحدى دول العالم الإسلامي. إذ غادر السلطة، وهو يتمتع بأغلبية حزبية في البرلمان، في احتفال رفيع المستوى بعد أن نقل دولته نقلة نوعية من دولة زراعية متخلفة اقتصادياً إلى دولة تأتي في مقدمة النمور الآسيوية.
وكانت فترة مهاتير محمد من أزهى الفترات في تاريخ ماليزيا، فقد حققت ماليزيا في عهده مستويات عالية من التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، حيث استطاع نقل ماليزيا من دولة فقيرة تعاني من مشاكل عرقية واجتماعية إلى دولة قادرة على تحقيق معدلات عالية، بالرغم من الاختلافات الدينية، والعرقية، والثقافية، واللغوية، والتباينات الاقتصادية.
ولم تكن مهمة مهاتير بالأمر السهل، حيث ورث مجتمعاً متعدد الأعراق والثقافات، أبرزهم المسلمون والصينيون والهنود، فعمل على تحقيق التوازن السكاني والعرقي خاصة في ظل أكثرية من أعراق الملايو دون قوة مؤثرة مما دفع مهاتير إلى السعي إلى تعزيز نفوذهم في كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وإنقاذهم من البؤس والفقر والتخلف. 
تحكم ماليزيا من مجموعة أحزاب تسمى ائتلاف الجبهة الوطنية الحاكم والمشكل من ائتلاف 14 حزبا سياسيا على رأسهم «حزب أمنو» وهو حزب رئيس الوزراء، بالإضافة إلى «الجمعية الصينية الماليزية» و«حزب المؤتمر الهندي الماليزي» وهذا الائتلاف يحكم منذ الاستقلال أي منذ 1957.
ومهاتير محمد كان عضواً في الحزب الحاكم وفي الائتلاف ومن خلاله حكم ماليزيا ل22 عاما (1981 إلى 2003) وتنحى بإرادته وهو في سن ال79 ليتيح الفرصة لمن بعده ليكمل المشوار، عبد الله بدوي 2003 إلى 2009 لكن وبسبب ظروفه الصحية تنحى لنائبه نجيب عبد الرزاق الذي حكم من 2009 إلى 2018.
ونتيجة لما شاب فترة حكم نجيب من فساد كبير وتدهور في الاقتصاد وتذمر من قبل المواطنين وبدأت احتجاجات تطفو في السنوات الأخيرة ضد فساد الحكومة وضد رئيس الوزراء نجيب شخصيا، خرج مهاتير ينتقد الأوضاع وينتقد الحزب الحاكم الذي هو عضو فيه، ومع استمرار التدهور في الاقتصاد دعا إلى تظاهرات ودعا فيها إلى إسقاط حكومة نجيب وأيده زعيم ائتلاف المعارضة أنور إبراهيم من محبسه ودعا أنصاره إلى الخروج والوقوف إلى صف مهاتير ضد حكومة نجيب.
وفي عام 2018 أعلن مهاتير أنه تحول إلى المعارضة، فقد عاد إلى واجهة الحياة السياسية كمعارض بعد أن انشق عن الحزب الذي ساعد في ترسيخه (UMNO) من أجل قيادة المعارضة. ليطيح برئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق رئيس حزب الأمنو (المنظمة الوطنية المتحدة للملايو) المتهم باختلاس 4.5 مليار دولار بينها 700 مليون دولار في حسابه الخاص.
فقد استنكر مهاتير فضيحة مؤسسة التطوير الاستراتيجي MDB1 المملوكة بالكامل لحكومة ماليزيا- تم تأسيسها لدفع المبادرات الاستراتيجية للتنمية الاقتصادية طويلة الأجل للبلد من خلال إقامة شراكات عالمية وتعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر، ويعرف في كوالالمبور ب«صندوق الثروة» الذي شابته اتهامات بالفساد- وهي الأزمة المتعلقة بالاستراتيجية الاقتصادية للبلاد، وعلى أثر ذلك تولى مهاتير جولة في أنحاء البلاد لربط الفضيحة بالقلق الذي يساور الناخبين بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وضريبة السلع والخدمات التي لا تحظى بشعبية على نطاق واسع والتي فرضت قبل ثلاثة أعوام.
ولم يتوقف مهاتير على انسحابه من الحزب الحاكم الذي يقود البلاد منذ ستين عاما، بل بادر عام 2016 بإنشاء حزب (أبناء الأرض) وانضم إلى (جبهة الأمل) التي تضم الأحزاب المعارضة، وتقدم باعتذار إلى أنور إبراهيم في محبسه، بل جعل محاميه يتقدم للدفاع عنه، وعقد اتفاقا مع عزيزة إسماعيل - زوجة أنور إبراهيم- يقضي حال الفوز بالانتخابات أن يتولى مهاتير رئاسة الوزراء، على أن تتولى عزيزة منصب نائب رئيس الوزراء، وتعهد أن يستمر رئيسا للوزراء لمدة عامين، وعلى أن يسعى للحصول على عفو ملكي عن زعيم المعارضة أنور إبراهيم، ويتنازل عن منصب رئاسة الوزراء لصالح غريمه السابق بعد حصوله على العفو الملكي وتمكنه من دخول البرلمان في انتخابات تكميلية، وفور فوز مهاتير وبمجرد لقائه الملك، حصل فعلاً أنور على العفو الملكي.
وعلى جانب آخر وبعد فوز مهاتير برئاسة الوزراء قام بمنع سلفه نجيب عبد الرزاق من مغادرة البلاد، مشيرا إلى وجود دليل كاف للتحقيق في علاقته بفضيحة فساد بمليارات الدولارات.
ووفقاً لما نقلته وكالة «رويترز»، أصدرت سلطات الهجرة حظراً على السفر إلى الخارج بحق نجيب وزوجته روسماه منصور بعد دقائق من إعلان نجيب أنه سيغادر البلاد في رحلة تستمر لمدة أسبوع للاستجمام، بعد هزيمته في انتخابات عامة جرت الأربعاء.
وقال مهاتير إن إجراء منع نجيب من مغادرة البلاد يجنب الحكومة مشكلات مطالبتها اللاحقة لأي دولة بتسليمه، وأن هناك دليلاً كافياً على أنه يجب التحقيق في أمور محددة قام بها رئيس الوزراء السابق وسيتم تطبيق القانون عليه إذا لزم الأمر.
ولد مهاتير محمد في 20 ديسمبر/كانون الأول 1925، وتعود أصوله إلى بلدة آلو سيتار عاصمة ولاية قدح في شمالي ماليزيا. ينتمي من ناحية والده إلى أصول هندية تعود إلى إقليم كيرالا، أما والدته فهي من المالاي.
وقد لعبت الخبرة السياسية العلمية لمهاتير محمد في السابق دورا مهما في فكره السياسي. إذ دخل غمار السياسة العلمية في البلاد على المستويين الداخلي والخارجي، قبل أن يصبح رئيساً للوزراء. فقد كان عضواً في البرلمان ثم وزيرا للتعليم، ثم وزيراً للتجارة والصناعة، هذا فضلا عن توليه منصب منظمة تضامن الشعوب الإفريقية - الآسيوية في ماليزيا منذ عام 1964. وقد تمكن من خلال هذه المناصب من استيعاب المشكلات من داخلها، وفي السياسة الدولية. إذ أتاحت له منظمة التضامن فرصة التفاعل مع كثير من القيادات الشعبية في الدول الآسيوية وأيضا الإفريقية. فعندما جاء إلى الحكم، كان عارفاً بمشكلات بلاده وبقضايا العالم.
* مدرس العلوم السياسية- جامعة 6 أكتوبر





لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص