"مسيرات العودة" لن تتوقف | اليمني اليوم

"مسيرات العودة" لن تتوقف

 

انتهت «جمعة الوفاء للشهداء والجرحى»، وهي الجمعة الثامنة من مسيرات العودة، بوقوع 56 إصابة بين صفوف المتظاهرين، وجرى الإعلان عن أن الجمعة التاسعة الواقعة في 25 مايو/ أيار المقبل ستحمل اسم «مستمرون رغم الحصار». وواضح أن هذه الاستمرارية التي أعقبت الاثنين الدامي في 14 مايو/ أيار، يوم افتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، وسقوط 63 شهيداً، وأكثر من ثلاثة آلاف جريح، تشهد على مستوى نضالي غير مسبوق. وخلافاً للكثير من التهويلات، لم تذهب دماء الشهداء، ولا معاناة الجرحى وعائلاتهم هباء، فالتحركات الإقليمية والدولية تظهر عودة العالم للاعتراف بالقضية الفلسطينية كعامل مهدد للاستقرار العالمي إذا بقيت من دون حل. 
كان من أول نتائج فعاليات الهيئة الوطنية لمسيرة العودة وكسر الحصار أن أعلنت مصر عن فتح معبر رفح طوال شهر رمضان. وعدا ذلك، أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إدانة الجرائم «الإسرائيلية»، وإيفاد لجنة دولية مستقلة للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة، وتحديداً أثناء مسيرات العودة. واعتبر القرار أن هذه الانتهاكات قد ترقى لمستوى جرائم حرب ما يقتضي تحديد المسؤولين عنها، لتقديم توصيات، بهدف تجنب إفلات المجرمين من العقاب ووضع حد لهذه الجرائم.
وكانت السلطة الفلسطينية أقرت الانضمام إلى عدد من المنظمات الدولية، وطلب عرض جرائم الحرب «الإسرائيلية»، من بينها جريمة مصادرة الأراضي وإنشاء المستوطنات على المحكمة الجنائية الدولية. وسبق للمدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة، أن أعلنت أن مكتبها يتابع ما يجري على حدود قطاع غزة، ويبحث فيما إذا كانت هذه الأحداث تنطوي على جرائم حرب ينبغي الوقوف ضدها. وأعلن رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله، في المؤتمر الطارئ للقمة الإسلامية في إسطنبول، أن «القيادة الفلسطينية اتخذت سلسلة من الإجراءات على مستوى المخاطر الاستراتيجية التي تواجه الشعب الفلسطيني، منها إحالة المنظومة الاستيطانية الاستعمارية، وكل ما يرتكبه الاحتلال من جرائم للمحكمة الجنائية الدولية، وسيتم تسليم الإحالة رسمياً، مطلع الأسبوع القادم».
وتحركت الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، حيث كلف المجلس الأمانة العامة بإعداد «خطة متكاملة تشتمل على الوسائل والطرق المناسبة التي يمكن استخدامها لمواجهة قرار أمريكا، أو أي دولة أخرى، بالاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال، أو نقل سفارتها إليها، بما في ذلك الوسائل والطرق السياسية، والقانونية، والاقتصادية، وتعميم هذه الخطة على الدول الأعضاء في غضون أسبوعين من تاريخ صدور هذا القرار لاعتمادها، والعمل بمقتضاها». 
كما كلف الأمانة بالتحرك الفوري لتشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في الجرائم والمجازر الصهيونية ضد المتظاهرين في غزة. ودعم المجلس قرارات السلطة الفلسطينية بشأن إحالة الجرائم الصهيونية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لضمان حماية المدنيين الفلسطينيين من جرائم قوات الاحتلال. 
وكان مهماً الدور الذي لعبته الكويت في مجلس الأمن الدولي عندما أصرت على رفض الضغوط الأمريكية لمنع المجلس من مناقشة الجرائم «الإسرائيلية» بحق الفلسطينيين. ومعروف أن الكويت أصرت على عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لبحث هذه الجرائم، وعمدت إلى محاولة بلورة مشروع قرار لتأمين الحماية الدولية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. 
ثم جاءت القمة الإسلامية في إسطنبول التي ركزت الأنظار أيضا على ضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة لتشكيل لجنة تحقيق دولية حول الجرائم «الإسرائيلية» على حدود غزة، وإرسال قوة دولية لحماية الفلسطينيين. ودعت القمة مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة للقيام بمسؤولياتها بشأن تشكيل لجنة تحقيق دولية حول الاعتداءات «الإسرائيلية» في غزة، ووجوب توفير الحماية الدولية للفلسطينيين. وشددت القمة الإسلامية على ضرورة اتخاذ تدابير سياسية واقتصادية ضد الدول التي اعترفت بالقدس عاصمة للاحتلال، وأعلنت وجوب التنسيق في هذا الشأن بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والمنظمات الدولية ذات الشأن. 
ومن المؤكد أن هذه التحركات تمنح الفلسطينيين أملاً أكبر في أن دماءهم وتضحياتهم لا تذهب هدراً، وأن بوسعهم طوال الوقت مواجهة محاولات التهميش والتبديد، خصوصاً أن في الأفق محاولة جديدة لعرض «صفقة القرن» الأمريكية. وبدا واضحاً من خلال قرارات الجامعة العربية والقمة الإسلامية التأكيد على رفض أي صفقة تتجاهل عروبة القدس الشرقية، وكونها عاصمة لفلسطين، وتقفز عن الحقوق الوطنية الثابتة وبينها حق العودة وتقرير المصير. ويعتقد كثيرون أنه من دون مسيرات العودة والزخم الذي أحدثته كان من الأسهل على البعض تقبل «صفقة القرن»، حتى من دون التعديلات التي يقال إن إدارة ترامب عمدت مؤخراً، إلى إدخالها بقصد تسهيل تمريرها، وتقليص المعارضة العربية والفلسطينية لها. 
ولا بد من الإشارة هنا إلى أهمية القرار الذي اتخذه مجلس حقوق الإنسان بشأن إيفاد لجنة تحقيق دولية. وليس صدفة أن رئيس الحكومة «الإسرائيلية»، بنيامين نتنياهو سارع إلى إدانة القرار الذي لم تعارضه إلا دولتان، أمريكا وأستراليا، معلناً أن حكومته لن تتعامل معه. ويعلم نتنياهو أن لجان التحقيق بذاتها ليست الجهة التي يمكنها أن تغير مجريات الأحداث، لكنها تلعب دوراً حاسماً في توجيه الرأي العام العالمي. 
وكانت التباسات أثيرت بشأن استمرار مسيرات العودة، خصوصاً بعد «مجزرة نقل السفارة الأمريكية». وشكك البعض في إمكانية استمرارها بعد ما شهدته من قدرة بطش «إسرائيلية»، فيما ادعى آخرون أن صفقات تمت تحت الطاولة. لكن الوقائع على الأرض تثبت أن اعتبارات عملية، خصوصاً ما يشبه انهيار الجهاز الصحي في القطاع بعد أن زاد عدد الشهداء عن الستين والجرحى عن ثلاثة آلاف في يوم واحد كانت حاسمة. وأياً يكن الحال من المؤكد أن مسيرات العودة، وتحديداً على حدود القطاع، كانت ترمي أيضاً إلى كسر الحصار. ولذلك يمكن القول إن هذه المسيرات واستمرارها مرهون أيضاً بتغييرات في طبيعة القيود المفروضة على القطاع، وأهله. 
إن استمرار فرض الحصار على مليوني نسمة، وتقييد حركتهم، جعل من غزة أكبر سجن في العالم، ودفع سكانه إلى البحث عن مخارج. وثمة فرضية تقول إن الضغط يولد الانفجار، وأن انفجار القطاع كان مرتقباً، وأن ما جرى في مسيرات العودة لم يخرج عن هذا السياق. ولذلك تتراكض حالياً جهات مختلفة، بينها «إسرائيل» نفسها، بغرض خلق متنفسات تمنع الانفجار المحتوم. غير أن العناد «الإسرائيلي» واستمرار العنجهية في القدس وبقية الأراضي المحتلة يجعل من احتمالات تغيير الوضعية في القطاع أمراً مؤقتاً، وليس طويل الأمد. فمن دون حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، بكل جوانبها، يستحيل الحديث عن حل للوضع الإنساني والاقتصادي والسياسي في قطاع غزة.





لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص