جرائم "إسرائيل" أمام "الجنائية" الدولية | اليمني اليوم

جرائم "إسرائيل" أمام "الجنائية" الدولية





tyle="text-align: justify;">
أعادت "مسيرة العودة الكبرى"على قطاع غزة، بمظاهرها البطولية وتداعياتها السياسية القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الإقليمية والدولية رغم كل محاولات الطمس والتعتيم. وسمح ذلك للسلطة الفلسطينية من جهة ولقوى العمل النضالي والمجتمعي من جهة ثانية بإعادة حق العودة إلى جدول الأعمال ووضع الأسرة الدولية أمام مسؤولياتها في محاسبة جرائم الحرب «الإسرائيلية».
بدا واضحاً أنه في ظل التحالف الأمريكي - «الإسرائيلي» الفاضح والدافع نحو تصفية القضية تحت مسمى «صفقة القرن» يواجه الفلسطينيون الحملة الجديدة بمسيرة العودة وأشكال نضالية أخرى على الأرض وجهد دبلوماسي وإعلامي دولي لمحاسبة المجرمين وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني.
وبحسب ما تظهر المعطيات التي تؤكدها تصريحات عدد من المسؤولين الفلسطينيين فإن الجهد الفلسطيني الدولي ينصب حاليا على تسريع تشكيل لجنة التحقيق التي أمر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بإنشائها حول مجازر الاحتلال الأخيرة بحق الفلسطينيين. ويتكامل ذلك مع الملاحقة القانونية لمجرمي الحرب عبر إحالة الملف الفلسطيني وخصوصا الاستيطان رسميا إلى المحكمة الجنائية الدولية بعد رفض الضغوط الأمريكية والتهديدات «الإسرائيلية» بهذا الشأن. ويسبق ذلك طلب الحماية الدولية عبر مشروع قرار كويتي يناقش في مجلس الأمن الدولي وقد يحال، في حال «الفيتو» الأمريكي، إلى دورة طارئة للجمعية العمومية للأمم المتحدة. 
ومن الجلي أن أشكال النضال الميداني والسياسي والقانوني تتكامل في مواجهة مخططات شاملة يضعها العدو لإفراغ القضية الفلسطينية من محتواها تارة بالإيحاء أنها مسألة «إرهاب» وأخرى بأنها «مسائل إنسانية» مبتعداً عن جوهرها الفعلي كقضية شعب طرد قسراً من أرضه. وفي ظل تعاظم الهوة ميدانيا بين القوة العسكرية التي يمتلكها العدو ووسائل المواجهة المسلحة تزايد الاهتمام بالمقاومة الشعبية من جهة والمواجهة السياسية والقانونية الدولية من جهة أخرى. ويشعر الفلسطينيون أن لديهم، على هذا الصعيد، حلفاء إقليميين ودوليين كثراً وهو ما تبدى في الغضبة «الإسرائيلية» من نتائج التصويت على لجنة التحقيق في مجلس حقوق الإنسان.
ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الفلسطينيين لا يرون في اللجوء للمحافل الدولية بديلا عن أشكال مقاومتهم الأخرى التي يمارسونها يوميا والتي تكبدهم تضحيات جسيمة في الأرواح والأملاك. وهذا لا يقلل من اهتمامهم بهذه المحافل ومحاولة كسبها إلى جانب قضيتهم باعتبارها موجهة إلى الرأي العام العالمي وإحدى الوسائل في مواجهة العربدة «الإسرائيلية» المستقوية بالتحالف مع إدارة ترامب. 
في كل حال سبق للفلسطينيين أن كسبوا الرهان على لجنة تحقيق دولية شكلها مجلس حقوق الإنسان إثر الحرب على غزة عام 2008-2009. وقد أنتجت تلك الحرب لجنة جولدستون التي كانت لها تأثيرات واسعة على المكانة الإعلامية والسياسية «الإسرائيلية» في العالم. ولأسباب مختلف بشأنها لم يفلح الفلسطينيون والعرب في تجيير نتائج وتوصيات تلك اللجنة لصالح قرارات وأفعال دولية ضد الاحتلال. الأمر نفسه يسري على حكم استشاري أصدرته المحكمة الدولية ضد الاستيطان في العام 2004 والذي اعتبر الاستيطان وإقامة الجدار الفاصل انتهاكا للقانون الدولي ينبغي عدم الاعتراف به ومعاقبة القائمين عليه. 
ومهما يكن الأمر فإن الحال يختلف بعض الشيء حالياً نظراً لأن المواجهة مع الاحتلال لم تعد فردية أو فصائلية وإنما صارت حالة شعبية عارمة. ونظراً لتأزم الأحوال في الأراضي المحتلة وصعوبة استمرار الحال على ما هو عليه فإن التوجه نحو المحكمة الجنائية الدولية يتسم بأهمية متزايدة خصوصا بعد كل ما واجهته السلطة من عقبات وتهديدات لمنع تقديم طلب الإحالة. ويدرك الأمريكيون و«الإسرائيليون» أن للمحكمة الجنائية أنياباً أشد قسوة من باقي المحافل نظراً للمكانة التي حاول منشئوها منحها لها لمنع تهرب مجرمي الحرب وإبادة الشعوب من المساءلة والعقاب. 
وقد تقدم وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، رسميا بطلب إحالة الملف الفلسطيني إلى المحكمة الجنائية الدولية بعد أيام من قرار القيادة الفلسطينية بهذا الشأن. وقد ردت القيادة الفلسطينية على نقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس وعلى المجازر «الإسرائيلية» على حدود غزة بإعلان الانضمام إلى عدة مواثيق ومحافل دولية وطلب إحالة الملف إلى الجنائية الدولية. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الجنائية الدولية تفحص منذ العام 2015 «بشكل أولي» احتمالات اقتراف «إسرائيل» جرائم حرب في الأراضي المحتلة. وبين القضايا التي أعلنت الجنائية الدولية أنها تفحصها توجد أيضا قضية الاستيطان التي صدر بشأنها رأي استشاري من المحكمة الدولية.
وقالت الخارجية «الإسرائيلية» إنها «تنظر بخطورة للطلب الفلسطيني الذي يعتبر خطوة فاقدة للصلاحية القانونية في محكمة لا صلاحية لها في الشأن «الإسرائيلي»- الفلسطيني لأن «إسرائيل» ليست عضواً في المحكمة ولأن السلطة الفلسطينية ليست دولة». وطالبت الخارجية «الإسرائيلية» المحكمة والمدعية العامة فيها «بعدم الخضوع للضغوط الفلسطينية وعدم السماح للفلسطينيين بتسييس إضافي للمحكمة أو حرفها عن تفويضها الأساسي». وادعت أن «إسرائيل» تعمل وفقا لمنظومات إشراف ومراقبة قضائية مستقلة وأساسية، مناسبة لدولة ديمقراطية ووفقا للقانون الدولي.
ولا يبدو أن الجنائية الدولية تأخذ بالمزاعم «الإسرائيلية» إذ إنها وقبل تسلم طلب الإحالة الفلسطيني الرسمي حذرت من أن ما يجري على حدود قطاع غزة من جرائم أمر يستدعي منها المتابعة. وقالت في بيان خاص تعقيبا على القمع «الإسرائيلي» لتظاهرات مسيرة العودة إنها تراقب «بقلق الأحداث التي وقعت في الأسبوعين الأخيرين على حدود القطاع والتي قتل فيها ما لا يقل عن 27 فلسطينيا وأصيب أكثر من ألف، جراء رصاص حي من القوات «الإسرائيلية»». 
ويتعمد جيش الاحتلال محاولة تلافي مخاطر المحكمة الجنائية الدولية عبر الإعلان عن تشكيل لجان تدقيق أو تحقيق خاصة بأي من هذه الأحداث. وتعتبر هذه اللجان تنفيذا لرأي مستشارين دوليين يقولون إن التظاهر بإخضاع كل حدث لتحقيق قضائي داخلي يحول دون التحقيق فيه من جانب جهة دولية. ولهذا السبب قرر رئيس أركان الجيش الجنرال غادي آيزنكوت تعيين العميد موطي باروخ، رئيساً لطاقم تحقيق لفحص أحداث تظاهرات غزة. ولا يخفي أحد في «إسرائيل» حقيقة أن تعيين هذه اللجنة بعد كلام بنسودة يسمح للكيان ادعاء أنه أجرى بنفسه «تحقيقا مستقلا» في أحداث حدود غزة. 
عموما إن لجان التحقيق الدولية وطلب الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية ليسا في أفضل الأحوال إلا محاولات فلسطينية وعربية لاختبار الآليات الدولية للمساءلة واحترام القانون الدولي. وبديهي أن هذه الأساليب ليست بديلا عن الحقيقة الأساسية الثابتة بأن المطلوب تغيير موازين القوى لتشكيل قوة ضاغطة على الاحتلال من أجل إنهائه. وهذه مسألة عربية وفلسطينية جوهرية قبل أن تكون مهمة دولية.

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص