معركة درعا.. وأبواب الحل !! | اليمني اليوم

معركة درعا.. وأبواب الحل !!

التقدم السريع، والسهل إلى حد كبير، الذي يحققه جيش النظام السوري في درعا ومناطق الجنوب يشير بوضوح إلى ضوء أخضر أمريكي لروسيا بالتصرف بحرية في هذه المنطقة، التي كانت مشمولة باتفاق ل«خفض التصعيد» بضمانة روسية - أمريكية.

فقد أعلنت الولايات المتحدة منذ بداية العمليات أنها لن تتدخل؛ الأمر الذي يعني دعوة هذه الفصائل للاستسلام في حقيقة الأمر، ويشير إلى تفاهم روسي- أمريكي- «إسرائيلي» مسبق حول العمليات الجارية.
تجري منذ شهور مفاوضات بين موسكو وواشنطن؛ حول تفكيك قاعدة (التنف) الأمريكية عند المثلث الحدودي بين سورية والأردن والعراق؛ وهي قاعدة تقيم واشنطن حولها (منطقة محرمة) على حركة الجيش السوري وحلفائه قطرها (100 كم)، وتصفها روسيا بأنها (ثقب أسود) ضخم تمر عبره قوات «داعش» وفصائل إرهابية أخرى إلى مناطق الجنوب والجنوب الشرقي السوري.. وتتلقى التدريب والتسليح على أيدي ضباط أمريكيين وبريطانيين..





وتشترط واشنطن مقابل تفكيك (التنف) إبعاد «الحرس» والميليشيات لعشرات الكيلومترات عن الحدود الأردنية الطويلة مع الجزء الشرقي من جنوب سورية. 
وبالرغم من شكوى الروس من مماطلة الأمريكيين وطرحهم لشروط جديدة باستمرار، خاصة فيما يتصل بالوجود الإيراني، فإن المبدأ محل اتفاق (عام).. أي سيطرة الجيش السوري على الجزء الشرقي أيضاً من الحدود مع الأردن وصولاً إلى المثلث الحدودي السوري - الأردني - العراقي، إضافة إلى الجزء الواقع تحت سيطرة الجيش حالياً في البادية الجنوبية لمحافظة دير الزور، وعلى أن يكون هذا تحت إشراف روسيا وبضمانات كافية منها، والمسألة مسألة وقت فحسب. 
أما بالنسبة ل «إسرائيل» فإنها مع موافقتها على عودة سيطرة الجيش السوري إلى المناطق المحاذية للمنطقة منزوعة السلاح من الجولان المحتل، إلا أنها ترفض قطعياً اقتراب «الحرس» والميليشيات من الجنوب الغربي السوري (درعا والقنيطرة).. وتطرح عودة العمل باتفاقية الفصل بين القوات (لعام 1974) وعودة القوات الدولية للمنطقة العازلة في الجولان؛ لتمثل ضمانة إضافية لأمنها، وهو ما توافق عليه روسيا وأمريكا.. والأهم من ذلك أنها تطالب بإبعاد «الحرس» والميليشيات عن مرتفعات الجولان بمسافة لا تقل عن (60-80كم)، وتجري بينها وبين روسيا محادثات مكثفة في هذا الصدد. 
ومعروف - بالمناسبة - أن الموقف الروسي في هذا الصدد هو ضرورة جلاء كل القوات الأجنبية عن سوريا، بما في ذلك القوات الإيرانية (والميليشيات) بمجرد انتهاء المعركة ضد الإرهاب.. أما القوات الأمريكية فتطالب روسيا برحيلها الآن؛ لأنها موجودة دون طلب من الحكومة السورية؛ بل وضد إرادتها.. وبديهي أن هذا المطلب الروسي غير ملزم لأمريكا. 
خلاصة ما ذكرناه أن الجيش السوري قد استعاد مدينة درعا القديمة (درعا البلد) ومعبر (نصيب) التجاري المهم مع الأردن، وأكثر من 85% من محافظة درعا ويتقدم بسرعة للسيطرة على القنيطرة والسويداء (أي الجزء الجنوبي الغربي من البلاد).. وتجري المفاوضات؛ لاستعادة الجزء الجنوبي الشرقي حتى (التنف) على رأس المثلث الحدودي السوري- الأردني- العراقي.. كما يسيطر على المنطقة الوسطى (حمص وتدمر) علاوة على الساحل والمدن الكبرى في المنطقة المركزية الاستراتيجية (الغربية). 
ونذكر كل هذه التفاصيل؛ لنقول إن مشروع التقسيم قد انطوت صفحته في الجنوب والوسط والغرب؛ ذلك المشروع الذي بدا لعدة سنوات كأنه قدر سوريا المحتوم، حتى جاء التدخل العسكري الروسي فقلب موازين القوى، وأوقف تدمير الدولة السورية. 
وإذا كان مشروع التقسيم على أساس شعار «الفوضى الخلّاقة» و«مشروع الشرق الأوسط الجديد» قد فشل في الغرب والوسط والجنوب، فإن شبح التقسيم لا يزال يهدد سوريا في الشمال (الأكراد) والشمال الغربي (المناطق الواقعة تحت الاحتلال التركي). 
غير أن هذه السياسة الأمريكية- التي تعللت بالرغبة في قطع الطريق على خطط إيران لإقامة ممر بري يصل إلى البحر المتوسط عبر العراق- قد أثارت غضباً تركياً عارماً؛ لأن أي كيان كردي في سورية سيشجع النزعات الانفصالية لدى أكراد تركيا (20% من السكان) وأثر كثيراً بالسلب في العلاقات التركية- الأمريكية، الأمر الذي زاد من حدته دعم واشنطن لمحاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان. وأصرت تركيا على قطع طريق (الكيان) الكردي؛ للوصول إلى البحر المتوسط، بالاستيلاء على (عفرين- شمال غرب سورية)، والتهديد باحتلال (منبج) وطرد الأكراد إلى شرق الفرات، وهو ما انتهى بتسيير دوريات تركيا- أمريكية في المدينة، مع إجبار القوات الكردية على مغادرتها، وهكذا لم يعد لدى الأكراد أي منفذ إلى البحر غير تركيا. 
وفي الوقت نفسه، بدأت دمشق في تنظيم وتسليح أعداد من العرب (ممثلي الأغلبية) وممثلي القوميات الصغيرة الأخرى في المناطق الشمالية، المستائين من السيطرة الخشنة للأقلية الكردية. 
وهكذا يبدو أن مشروع أمريكا التقسيمي في الشمال السوري يتعثر؛ لأنه لا تركيا ولا سوريا ستعطي ممراً إلى العالم الخارجي للأكراد، الذين بدأ حماسهم الانفصالي يفتر على ضوء التطورات في سوريا والعراق.. وعلى ضوء التململ الذي بدأوا يواجهونه من جانب العرب والأقليات العرقية في مناطقهم.. وهكذا قد يستمر الوجود العسكري الأمريكي- مؤقتاً- في وسط غير صديق.. ولكن بدون مشروع انفصالي كردي! 
لهذا نتوقع أن ينعكس نجاح قمة هلسنكي، الذي تجلى بوضوح في كلمتي الرئيسين ترامب وبوتين، وإجابتهما عن أسئلة الصحفيين، وإعلانهما الحرص على إقرار السلام في سوريا، على الوضع في الشمال السوري، من خلال استمرار التقارب بين دمشق والأكراد، وتعاونهما (البادئ ولكن المتزايد) في مجالات مثل إعادة إعمار بعض مرافق البنية التحتية (سد الطبقة مثلاً).. ونلفت النظر إلى أن الأكراد يسلمون بعض مواقعهم للجيش السوري، لقطع الطريق على دخول الأتراك إليها.. ولروسيا دور بارز في هذه العملية.. أي أن مشروع التقسيم يمكن أن يضمحل بالتدريج، حتى في ظل الوجود الأمريكي.


*كاتب ومحلل سياسي. خبير في الشؤون الروسية

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص