جورج بوش الأب..الوجه الآخر! | اليمني اليوم

جورج بوش الأب..الوجه الآخر!

خوان كول *

بمناسبة وفاة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج هيربرت ووكر بوش (الأب)، أود التأمل حول سياسات إدارته تجاه الشرق الأوسط.





كان بوش آخر قائد للحزب الجمهوري القديم، الذي كان يمثل رجال الأعمال الأثرياء في شمال شرق أمريكا، وملاك المزارع في الغرب الأوسط، وسكان البلدات الصغيرة، قبل أن يسيطر اليمين الديني على الحزب. والواقع أن المعمدانيين ( أتباع مذهب بروتستانتي ) والإنجيليين ( التبشيريين ) لم يكونوا يشكلون جزءاً من القاعدة السياسية لبوش جعله ينظر إلى الصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي»، بقدر من الموضوعية والحياد أكبر مما أظهره أي من سابقيه الرؤساء. 
وقد أقر بوش بأنه كان يكافح لكي يبلور رؤية سياسية خاصة به. وفي 1989، السنة الأولى من رئاسته، استفاد من حظ غير مرتقب تمثل في سقوط جدار برلين. وعندئذ دعا إلى «نظام عالمي جديد». ولكن طبيعة ذلك النظام لم تكن واضحة، باستثناء أنه يمثل السيطرة العالمية للرأسمالية الأمريكية والمصالح القومية للولايات المتحدة. وبوش كان ذا نزعة عملية، وبالتالي كان سعيداً بالتفاوض مع الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشيف حول عدة مسائل أساسية. وقد تنحى مرة بجورباتشيف جانباً، وشرح له أنه محاط ب «مفكرين دمويين»، وبالتالي قد يضطر أحياناً لأن يقول علناً أشياء فظة بشأن الاتحاد السوفييتي، ولكن على جورباتشيف ألاّ يعطي أهمية لذلك. 

وإحدى مسائل التفاوض المهمة جداً على جدول أعمال بوش، كان انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، حين غادرت آخر دبابات سوفييتية عبر جسر الصداقة إلى أوزباكستان في فبراير/شباط 1989. ولكن السوفييت تركوا وراءهم الرئيس محمد نجيب الله، الذي كان يحكم أفغانستان بيدٍ من حديد، كما تركوا وراءهم المجاهدين الأفغان الذين كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» تدعمهم بخمسة مليارات دولارات سنوياً. وفي ظل المجاهدين الأفغان، نشأ وتطور تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن.
وفي مقابل الانسحاب السوفييتي من أفغانستان، تعهد الرئيس بوش بوقف إمداد المجاهدين بالأسلحة. ومع تولي بيل كلينتون رئاسة أمريكا في بداية 1992، كانت الولايات المتحدة قد خرجت كلياً من أفغانستان، ما أتاح للمجاهدين دخول كابول وإقامة نظام أصولي. 
ومن الممكن أن جورج بوش فعل الصواب، عندما أخرج الولايات المتحدة من أفغانستان عقب الانسحاب السوفييتي. إلاّ أن المجاهدين أصبحوا القوة المسيطرة كلياً لبعض الوقت، في حين أن باكستان أخذت تدعم وتمول فصيلاً منهم عرف باسم «طالبان». وعندما استولى «طالبان» على السلطة في كابول، منحوا اللجوء إلى أسامة بن لادن وتنظيمه «القاعدة». 
في تلك الأثناء، كان الرئيس العراقي صدام حسين قد غزا الكويت في 1990. وفي البداية، لم تكن الدوائر الواقعية في إدارة بوش، بمن فيها وزير الخارجية جيمس بيكر، واثقة مما يجب عمله رداً على ذلك العدوان السافر. إذ إن أزمة الكويت لم يكن لها تأثير مباشر على الولايات المتحدة، لأن صدام حسين واصل ضخ وتصدير البترول الكويتي إلى الأسواق العالمية، ولأن الاتحاد السوفييتي لم يكن له شأن في تلك الأزمة. ولكن رئيسة وزراء بريطانيا «الحديدية» مارجريت تاتشر، أقنعت بوش بضرورة الرد على صدام حسين. وعندئذ شكل بوش أكبر تحالف عسكري دولي منذ الحرب العالمية الثانية وأخرج جيش صدام من الكويت. إلاّ أن بوش توقف عند ذلك الحد، ولم يرسل قوات إلى داخل العراق، لأن الأوروبيين اشترطوا عدم تغيير النظام العراقي مقابل دعمهم لحرب بوش ضد احتلال صدام. وبدلاً من غزو العراق، دعا بوش العراقيين إلى الثورة ضد نظام صدام. واستجاب الأكراد، إلاّ أن صدام قمعهم بوحشية.
وعقب تحرير الكويت، استغل بوش رصيده الكبير من الاحترام في العالم العربي لكي يدفع من أجل حل سلمي للصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي». إلا أنه لم يستطع أن يفعل الكثير لتحقيق ذلك. 
وعلى الصعيد العالمي، أظهر بوش واقعية وحِسَّ قيادة من خلال امتناعه عن التهور بينما كان الاتحاد السوفييتي يتزعزع. ولكن بوش لم يكن يستطيع أن يفعل شيئاً بعد انتهاء ولايته عام 1993 ومجيء خلفه بيل كلينتون، الذي أطلق عملية توسع حلف الأطلسي عبر أوروبا شرقاً عقب انهيار الاتحاد السوفييتي.

 

* أكاديمي وكاتب سياسي أمريكي أنشأ ويترأس موقع «إنفورمد كومنت» 
( www.juancole.com )

 

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص