بحر آزوف.. مواجهة جديدة بين روسيا والغرب | اليمني اليوم

بحر آزوف.. مواجهة جديدة بين روسيا والغرب

حرّكت حادثة «مضيق كيرتش» مياه بحر آزوف الراكدة، ويمكن القول: إن العاصفة، التي أحدثتها روسيا على شواطئ بحر آزوف؛ باحتجازها لثلاث سفن أوكرانية قبالة شبه جزيرة القرم أواخر نوفمبر الماضي، قد أدت إلى إحداث تصعيد من قبل موسكو لأزمة عمرها حوالي أربع سنوات في بحر آزوف. فبين ليلة وضحاها، تحول هذا البحر الصغير، الذي يبلغ طوله حوالي 340 كيلومتراً، وعرضه حوالي 135 كيلومتراً، ولا يتجاوز عمقه 14 متراً، ويتصل بالبحر الأسود؛ عبر مضيق كيرتش إلى فضاء لأزمة. ويعد بحر آزوف، الذي تبلغ مساحته 37600 كلم مربع مهماً جداً لتصدير الحبوب أو الفولاذ المنتج في شرق أوكرانيا، ويحتوى على ثروة بحرية تتكون من 300 نوع من الحيوانات البحرية، و80 نوعاً من الأسماك خصوصاً سمك الساردين والأنشوفي، كما يحتوي على كميات من الغاز، ويشكل نقطة عبور مهمة للشحن ونقل الركاب. فضلاً عن ذلك، تحيط به أوكرانيا شمالاً وغرباً، وكذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو في 2014.

من الجنوب الغربي، وروسيا من جهة الشرق، كما يصل إلى جنوب دونباس وهي المنطقة الأوكرانية، التي أوقع فيها النزاع المسلح بين كييف والانفصاليين الموالين لروسيا أكثر من 10 آلاف قتيل خلال أربع سنوات، وكذلك تسيطر جمهورية دونيتسك الانفصالية المعلنة من جانب واحد على بضعة كيلومترات من سواحل بحر آزوف.





وتقول روسيا: إنها احتجزت السفن الحربية الأوكرانية؛ لأنها دخلت المياه الإقليمية الروسية. هذا الأمر أدى إلى اشتعال الأوضاع في أوكرانيا، ونزول مئات المواطنين في تظاهرات ضد موسكو، كما حذرت الولايات المتحدة من جهتها روسيا من أن هذه التحركات «خارجة عن القانون»، وقالت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة آنذاك نيكى هايلى أمام مجلس الأمن الدولي: إن «الولايات المتحدة ترحب بوجود علاقات طبيعية مع روسيا؛ لكن الأفعال الخارجة عن القانون؛ مثل هذه تستمر في جعل ذلك مستحيلاً».

يذكر أنه في عام 2003 أبرم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني وليونيد كوتشما اتفاقاً؛ ينص على «إدارة مشتركة» لبحر آزوف ومضيق كيرتش، الذي يعد بوابة العبور إلى بحر آزوف من البحر الأسود، خاصة أن لهذا البحر أهمية اقتصادية للبلدين، وأن بإمكانهما استخدامه والملاحة فيه بحرية؛ لكن هذه الوثيقة لم تضع حداً لمسألة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. وفي عام 2006 اتهمت موسكو كييف بإعادة النظر في هذه الاتفاقية.

وفي عام 2014؛ عندما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم، أصبحت المنطقة محور خلاف بين البلدين، خاصة مع قيام روسيا وأوكرانيا بزيادة تواجدهما العسكري في المنطقة. وقد زاد التصعيد؛ بقيام روسيا بتفتيش السفن المتجهة من الموانئ الأوكرانية وإليها.

وفي عام 2016 عاد التوتر إلى الواجهة بين البلدين؛ عندما بنت موسكو جسراً مثيراً للجدل بلغت كُلفته حوالي 3.7 مليارا دولار، يمتد على مسافة 19 كلم، ويعبر مضيق كيرتش؛ ليربط شبه جزيرة القرم بروسيا، ودشن الجسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً في مايو/‏أيار 2018، وهو يقود شاحنة؛ بعد أن كان قد وضع ركائز هذا الجسر في عام 2017 ليقطع الطريق أمام قسم من السفن الكبيرة، التي لم تتمكن حينها من الإبحار تحته بحسب ألكسندر اولينيك مدير ميناء ماريوبول المدينة الأخيرة، التي تسيطر عليها كييف في الشرق.. ومن المعروف أن السفن، التي احتجزتها القوات الروسية، كانت متجهة من ميناء أوديسا في البحر الأسود باتجاه هذا الميناء الواقع جنوبي أوكرانيا؛ عبر بحر آزوف، الذي يبعد حوالي 800 كيلومتر عن العاصمة كييف. وقد جوبه إنشاء هذا الجسر حينها بعقوبات أوروبية.

حصار وتضييق

اتهمت كييف موسكو مراراً بأنها تتحرش بسفنها في المنطقة، المتجهة إلى موانئها. ويرى محللون أن روسيا تقوم بعملية «حصار بحري»؛ بهدف التضييق على الاقتصاد الأوكراني، وإلحاق الضرر بمدن أوكرانية، تعتمد على التجارة والصيد.

وقد تأثر ميناء بيردياسك وميناء ماريوبول بشكل مباشر؛ ببناء هذا الجسر منخفض الارتفاع؛ ما منع عشرات السفن من الوصول إلى أوكرانيا.

وتشير صحيفة «كورييه أنترناشيونال» الفرنسية إلى أن رد نائب وزير الخارجية الروسي، غريغوري كاراسين، على اتهام روسيا ب«السلوك العدائي» في منطقة بحر آزوف، يؤكد أن إثارة الموضوع سببه الحاجة إلى اختلاق ذريعة جديدة؛ للضغط على موسكو، وأن الاتهامات المتكررة، التي وجهتها في الآونة الأخيرة السلطات في كييف وبروكسل وواشنطن إلى موسكو بعسكرة منطقة بحر آزوف وعرقلة حرية الملاحة والتضييق على مصالح أوكرانيا فيها وانتهاك قانون البحار الدولي، فضلاً عن التهديد بفرض عقوبات إضافية على روسيا بهذا الشأن؛ كل ذلك يسير وفق هذا الاتجاه.

وقال كاراسين: «إن إثارة مسألة بحر آزوف مقصودة بدلاً من موضوع انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، الذي لم يعد حسب وصفه موضوعاً ساخناً في الساحة الإعلامية الدولية ليكون أداة ضغط ناجعة على روسيا؛ لذلك، تم اختلاق الغرب لهذا السبب الجديد؛ لتشديد العقوبات على روسيا».

الغريب أن كاراسين بيّن أن نشاط روسيا في منطقة بحر آزوف؛ يأتي في إطار الشرعية الدولية، وأن سبب زيادة روسيا لحرس الحدود الروسي؛ يأتي من اهتمامها بسلامة الملاحة في مضيق كيرتش، الذي يربط بين بحر آزوف والبحر الأسود، وضرورة صد «الدعوات العلنية التي يطلقها زعماء «مجلس تتار القرم» المحظور والمجموعات القومية المتطرفة في أوكرانيا إلى جانب عدد من السياسيين الأوكرانيين؛ حيث تدعو كل تلك التصريحات إلى شن اعتداءات على جسر القرم» الرابط بين روسيا وشبه جزيرة القرم؛ ولذا فإن عمليات فحص حرس الحدود الروسي لسفن الصيد والتجارة في بحر آزوف متناسبة مع مستوى تهديدات من سمّاهم ب«المتطرفين» ضد روسيا، نافياً أن تكون عمليات الفحص والتفتيش تحمل أي طابع تمييزي.

وأشار كاراسين أيضاً إلى أن السلطات الأوكرانية هي التي تقوم بعسكرة منطقة آزوف بدعم من الولايات المتحدة؛ بهدف خلق بؤرة توتر جديدة؛ تتيح لكييف لفت الأنظار عن مشاكلها الداخلية، ما يشجع «المعسكر الداعي إلى التصعيد مع روسيا على المزيد من الخطوات المتهورة، التي تهدد الدولة الأوكرانية بعواقب وخيمة، وتقوض آفاق تسوية الأزمة في منطقة دونباس جنوب شرقي البلاد».

وأكد كاراسين أن موسكو لا تعتزم إغلاق قناة كيرتش- ينيكال الواقعة في مضيف كيرتش، كونها تعد شرياناً بحرياً دولياً مهماً.

من جهتهم، حث سفراء أوروبا في مجلس الأمن الدولي، في الجلسة التي التأمت بعد الأزمة، روسيا على «إعادة حرية الملاحة» في مضيق كيرتش، وعبّر سفراء فرنسا وبريطانيا والسويد وبولندا وهولندا، الذين يقومون بجولة في الصين خلال بيان مشترك عن «مخاوفهم من تصاعد التوتر الأخير في بحر آزوف ومضيق كيرتش»، وحثوا روسيا على إطلاق سراح البحّارة الأوكرانيين المعتقلين وإعادة السفن المحتجزة.

وإزاء هذه التصريحات، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف كييف بالقيام بتحركات «خطرة» في مضيق كيرتش؛ بعد احتجاز روسيا للسفن الأوكرانية في المنطقة، وقال: إن أوكرانيا هي التي تشكل تهديدات ومخاطر على حركة عبور السفن الطبيعية في المنطقة، وأن تصرفها يأتي «بما يتفق تماماً مع القانون الدولي»، واتهمت من جانبها السفن الأوكرانية بالدخول بطريقة غير شرعية إلى المياه الإقليمية الروسية قبالة شبه جزيرة القرم، ووصفته بعمل

«مستفز للغاية وبإرهاب بحري»، وشددت على عمليات تفتيش السفن الأوكرانية في الجزء الخاص بها من بحر آزوف، ما دفع وزارة الخارجية الأوكرانية في نهاية الأمر إلى الاعتراف بأن عناصر حرس الحدود الروسية تلتزم تماماً بالبروتوكولات الخاصة بإجراء التفتيش.

تحذير من عمل «طائش»

مؤخراً حذرت روسيا، أوكرانيا من القيام بأي عمل «طائش»؛ بعد قرار كييف إقامة الأحكام العرفية؛ رداً على حجز روسيا للسفن الأوكرانية الثلاث، وطالب فلاديمير بوتين، ميركل بالضغط على السلطات الأوكرانية.

الجدير بالذكر أن هذه أزمة بحر آزوف هي أول مواجهة مفتوحة بين موسكو وكييف منذ ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية من قبل روسيا في عام 2014، واندلاع نزاع مسلح شرقي أوكرانيا بين القوات الأوكرانية وجحافل الانفصاليين، ما تسبب حينها في مقتل أكثر من 10000 شخص. واعتبر الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو ما جرى بأنه تهديد شديد للغاية بهجوم بري روسي.

«خدمة الحملة الانتخابية»

يرى الرئيس الروسي بوتين أن ما جرى تم القيام به؛ من أجل الحملة الانتخابية في أوكرانيا؛ حيث من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في ربيع العام الجاري 2019.

ورأت صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، أن الدبلوماسية الروسية اتهمت كييف بمحاولة «خلق ذريعة لتقوية العقوبات» من الاتحاد الأوروبي وواشنطن ضد روسيا، القائمة بالفعل منذ عام 2014 وهذا يوافق ما صرّح به وزير الخارجية النمساوي، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي.

من ناحية ثانية يبدو أن قانون الأحكام العرفية، الذي سيبدأ تنفيذه قريباً في أوكرانيا في 12 منطقة حدودية، بما في ذلك روسيا وبيلاروسيا بالقرب من بحر آزوف، سيسمح على مدى شهر للسلطات الأوكرانية بتعبئة مواطنيها، وتنظيم النشاط الإعلامي والحد من التجمعات العامة. هذا الأمر دفع ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين إلى القول: إنه «من المحتمل أن يكون هذا التصرف خطراً؛ لأن مثل هذه الأعمال يمكن أن تؤدي إلى تصاعد التوترات»، خاصة في منطقة دونباس الشرقية الانفصالية في أوكرانيا.

يشار إلى أنه ليلة القبض على البحارة الأوكرانيين، بثت روسيا لقطات فيديو تظهر تحقيقاً يظهر فيه رجل قدم نفسه على أنه يحمل رتبة كابتن ويقول إن تحركات السفن الأوكرانية كانت «استفزازاً»، مكرراً الرواية، التي طرحتها موسكو. ووصف قائد البحرية الأوكرانية إيغور فورونتشينكو هذه التصريحات بأنها «أكاذيب ملفقة جرت تحت ضغط». ويرى مراقبون حسب لو باريزيان، أن التهديد بحدوث حرب بين روسيا وأوكرانيا هو أمر يبدو غير محتمل إلى حد كبير علماً بأن السفينة العسكرية الروسية هي التي بدأت بالهجوم، وهي التي صدمت القاطرة الأوكرانية التي تقل حجماً عنها بأربعة أضعاف وخفر سواحلها هو الذي فتح النار على القاطرة الأوكرانية، وأسفر عن إصابة ستة بحارة.

إظهار القوة الروسية

تتساءل لو باريزيان من خلال حادثة بحر آزوف غير المسبوقة على المستوى الاستراتيجي، والتي تسلط الضوء على مدى التوتر الموجود بين روسيا وأوكرانيا. هل هذا التوتر يعني حدوث تصاعد محسوب للأحداث أو أنها شرارة لا نهاية لها؟ كييف من جهتها تدعي بأنه تم تحذير السلطات الروسية مسبقاً من وصول السفن الأوكرانية الثلاث لكن موسكو تنفي ذلك.

الحقيقة انه من المستحيل تحديد من يقول الحقيقة، ولكن يبدو أن إظهار القوة الروسية بات هو الأمر الواقع في أماكن كثيرة تدور فيها صراعات بين موسكو وواشنطن. ويبدو أن الأوكرانيين وقعوا في فخ الاستفزاز وهم لم يبدوا على الفور سوى الاعتراض والتظاهرات آملين أن تمد واشنطن يد العون لهم. وهذا هو بالضبط ما هو مطلوب من أوكرانيا بالنسبة لواشنطن فقد شعر الناس في تامان بخوف كبير؛ عندما شاهدوا تحليق طائرات روسية على علو منخفض، فوق الجسر المشيد فوق شبه جزيرة القرم. وتقول كلافيدا وهي سيدة، مسنة ومتقاعدة، بشيء من القلق: «اعتقدت أنه كان تدريباً، ولكن تحدث التلفزيون عن عدوان عسكري. نعم، أخشى أن تخرج الأمور عن نطاق السيطرة».

أما بيوتر، وهو مهندس فيقول: «هذا ليس جيداً للأعمال في ميناء روستوف على نهر الدون، لأن عرقلة تحرك قواربنا يعاقبنا كما يعاقب الأوكرانيين؛ لكن يبدو أن التفوق البحري لروسيا بات ساحقاً منذ أن فقدت أوكرانيا شبه جزيرة القرم. وتحاول كييف تعزيز وجودها؛ لكنها تجد نفسها ضعيفة أمام موسكو، التي تسيطر الآن بالكامل على مضيق كيرتش ومن الواضح أنها لا تنوي تركه».

الناتو: الأمر خطر جداً

حلف الناتو حليف كييف، رفض على لسان أمينه العام ينس ستولتنبرغ، القفز على ما جرى، لأن المستجدات «خطرة إلى أبعد الحدود». وتحركات (روسيا) ستكون لها تداعيات، موضحاً أهمية دعم وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها داعياً موسكو إلى الإفراج عن السفن والجنود الأوكرانيين «بأسرع وقت ممكن»، فيما بدت موسكو مثبّتة لسيطرتها على المنطقة الاستراتيجية، بينما جنحت برلين وباريس نحو التهدئة، خلافاً لواشنطن التي اختارت «الوقوف ضد العدوان»، معلنة على لسان المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، أن بلادها «ستواصل الوقوف إلى جانب شعب أوكرانيا ضد هذا العدوان الروسي»، محذرة من أن «المزيد من التصعيد الروسي سيجعل الأمور أسوأ. وسيزيد من تقويض مكانة روسيا في العالم وكذلك من تعكير العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة، والعديد من الدول الأخرى.

 

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص