"إسرائيل".. سرقة وطن | اليمني اليوم

"إسرائيل".. سرقة وطن

من «وعد بلفور» إلى الاعتراف بـ«إسرائيل» دولة إلى الاعتراف الأمريكي المزعوم بـ«حقائق الواقع»، كان دائماً هناك صهيوني سري غامض قريب من مصادر القرار في لندن وواشنطن، يملي ما يوحي به إليه الاتحاد الصهيوني على طائفة الساسة؛ أمثال: لويد جورج، وبلفور، وترومان، وترامب.

إعلان «دولة إسرائيل» في أرض فلسطين في 14 مايو/‏‏‏‏‏أيار 1948، كان تتويجاً لتاريخ طويل من سعي يهودي محموم لم يهدأ منذ نصف قرن، استخدمت فيه كل الوسائل والأدوات والفرص والضغوط المالية والنفسية والرشى والصداقات والمؤامرات السرية والخدع والحيل والمعتقدات الأيديولوجية.





يزعم المؤرخون الصهاينة أنه كان هناك تعاطف مع إنشاء «دولة إسرائيل» نتيجة لإحساس أوروبي غربي وأمريكي بالظلم التاريخي الذي وقع على اليهود، والاضطهاد الذي عانوه و«الهولوكوست» الذي وسم تاريخهم كأكبر كارثة طالتهم بعد السبي البابلي؛ لكن الزعم بأن الدوافع الدينية والإنسانية، هي التي كانت وراء هذا التعاطف، هو تبربر خادع؛ لتغطية المؤامرة الواسعة النطاق، والتغطية على ضعف السياسيين والقادة الأوروبيين والأمريكيين، تجاه الضغوط الصهيونية، والمال، وانحراف الشخصية - مؤامرة بدأت من بلفور مرورا بترومان وحتى الرئيس الأمريكي ترامب - كان لها عنوان واحد فقط هو «سرقة وطن اسمه فلسطين».
كان رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج، الذي صدر في عهده «وعد بلفور» الشهير (1917) بالتعاطف مع الرغبة الصهيونية بإنشاء «وطن قومي» لليهود في فلسطين، واضحاً في الاعتراف بقوة النفوذ الصهيوني والمال اليهودي في بريطانيا.


أما لورد آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني الذي ارتبط الوعد باسمه، فقد كان كارهاً لليهود، ولا يريدهم أن يهاجروا من بولندا- خاصة- إلى إنجلترا، وكان قد اقترح على الاتحاد الصهيوني العالمي إنشاء وطن قومي لليهود في «الأرجنتين» أو أوغندا تحت التاج والممتلكات البريطانية وراء البحار.
أما الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي كانت بلاده أول دولة تعترف ب«استقلال إسرائيل» بعد 11 دقيقة من إعلانه، فقد كان ضعيف الشخصية، متردداً بحاجة إلى الدعم المالي والانتخابي من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فضلاً عن حجر الزاوية في قراره بالاعتراف، وهو صداقته الغريبة باليهودي ادوارد جاكوبسون، الذي كان يدخل إلى الرئيس في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض سراً، ومن غير مواعيد في أي وقت. وقد اعترف ترومان في أوراقه المحفوظة في مكتبته، بالإلحاح الصهيوني عليه حتى إنه كرهه، وأصدر أمراً بعدم السماح لأي من قادة الحركة الصهيونية الأمريكية بمقابلته. كما أنه اعترف بأن مسألة الاعتراف ب«إسرائيل» ليست أولوية بالنسبة له كرئيس؛ لكنه في نهاية الأمر خضع للضغوط الهائلة عليه، وقرر منفرداً الاعتراف ب«دولة إسرائيل» ضد مشورة صنّاع السياسة، ووزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، والدبلوماسيين الأمريكيين، والأمم المتحدة.
الحجر التأسيسي الثالث (ثالثة الأثافي) في مداميك «الدولة اليهودية» هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الملياردير المثير للجدل بشخصيته وعلاقاته المالية وارتباطاته االخفية، خاصة بصهره اليهودي الشاب جاريد كوشنر زوج ابنته الأثيرة ايفانكا، فضلاً عن تسليمه المطلق لعقله وقلبه لسطوة المسيحية الصهيونية والمكابيين الجدد الذين يحيطون به كمستشارين.

وعد بلفور

بعد وفاة هرتزل تولى القيادة حاييم وايزمان المهاجر من روسيا، وأجرى اتصالات ببريطانيا التي تولى رئاسة حكومتها لويد جورج المحامي الطموح الذي سبق أن نقل اقتراح وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلين في 1902 بعد لقائه بهرتزل، إلى المسؤولين البريطانيين المشرفين على شؤون سيناء، بإنشاء تجمع سكاني سياسي لليهود في قطاع العريش القريب من فلسطين التاريخية، ورفض الاقتراح؛ باعتباره غير عملي.
اعترف لويد جورج في مذكراته بقوة النفوذ والمال الصهيوني، وقال: إنه استخدم النفوذ الصهيوني في روسيا؛ للاحتفاظ بها داخل تحالف الحرب ضد ألمانيا وتركيا، كما اعترف بأهمية المال الصهيوني في دعم المجهود الحربي، ومساهمات وايزمان غير المقدرة في الصناعات الحربية البريطانية.
كان لويد جورج من دون أعضاء حكومته، الوحيد الذي أراد دائماً استيلاء بريطانيا على فلسطين، كما أراد تشجيع قيام وطن قومي يهودي في فلسطين. وكان يدين بعقيدة عمرها قرون في فكر اتباع الكنيسة الأنجيلية والمنشقين عن الكنيسة البروتستانتية نحو تقدم الصفوف؛ لإعادة اليهود إلى «صهيون».
كاتب مسودة إعلان بلفور، هو ليوبولد امري، وهو صهيوني سري وصفه المؤرخ ويليام روبنشتاين بأنه «المثال المميز لإخفاء الهوية في التاريخ السياسي البريطاني في القرن العشرين»، وعمل بلا كلل ولا ملل؛ من أجل المسألة اليهودية. المساهمة الثانية كانت من أمري في تأسيس «إسرائيل»، جاءت بدوره المفتاحي في تأسيس الفيلق اليهودي، وهي كتائب من جنود عملوا تحت إشراف بريطانيا في فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، وعمل أمري باعتباره السكرتير العسكري المساعد للورد ديربي وزير الدولة للحرب كنقطة اتصال وتفاوض بين الصهاينة البريطانيين بزعامة سير سيمون ماركس ووزارة الحرب، وأصبح الفيلق اليهودي نواة للجيش «الإسرائيلي» فيما بعد. وافتخر أمري في مذكراته بأنه «أصل الجيش الإسرائيلي».
وعندما أصبح أمري وزيراً للمستعمرات البريطانية في حكومة بولدوين في 1925، أشرف على انتداب فلسطين، وظهرت إلى الوجود سلسلة واسعة من البنيات التحتية والمؤسسات نواة الدولة اليهودية في المستقبل، فقد أدخلت الكهرباء إلى فلسطين، وتم الاستحواذ على عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضي، وتحويل ملكيتها إلى اليهود، وامتدت الطرق والسكك الحديدية.
دور أمري وجد صداه في مذكرات وأيزمان (التجربة والخطأ) 1952؛ حيث أشاد بتشجيعه وتسخيره الدعم البريطاني اللامحدود؛ لتهيئة إنشاء «إسرائيل».
أخفى أمري حقيقة أنه يهودي تماماً، كما أخفى أي معلومة عن أصله كابن أسرة يهودية غنية هاجرت من المجر إلى بريطانيا، وانخرط في العمل السياسي في حزب المحافظين، وتولى العديد من المناصب التنفيذية والوزارية، واستغلها في العمل على تنفيذ الأجندة الصهيونية.

الاعتراف الأمريكي ب «إسرائيل»

يصف المؤرخون الرئيس الأمريكي ترومان بأنه أضعف الرؤساء الأمريكيين قاطبة، فقد ترك المنصب ونسبة شعبيته 23% (أقل ب4% من ريتشارد نيكسون)، وقد اتخذ قرارين مهمين؛ هما إلقاء القنبلة الذرية على اليابان، والاعتراف ب«إسرائيل» خضوعاً لضغوط عسكرية وصهيونية لم يستطع مقاومتها؛ لضعف في شخصيته وعجزه عن الصمود والتمسك برأيه الخاص. فبالنسبة للقرار الأول كانت شخصية الجنرال ماك أرثر رئيس الأركان الأمريكي شعبية وطاغية على الرئيس نفسه، فلم يستطع أن يقاوم الامتثال لرغبة الجنرال العارمة في إنهاء الحرب، واستخدام القنبلة الذرية.
أما بالنسبة للقرار الثاني فقد اتخذه ترومان من دون موافقة مستشاريه في السياسة الخارجية. فقد كان وزير الدفاع جيمس فورستال، ووزير الخارجية جورج مارشال ومعهم الكادر العسكري والدبلوماسي يعارضون الاعتراف باستقلال «إسرائيل» مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.
فقد كانت «إسرائيل» قضية ثانوية بالنسبة للوسطين (العسكري والدبلوماسي)، وتأتي في ذيل الاهتمامات، باعتبار أن المهم هو قضايا المناطق الأوروبية، واليونان وتركيا وإيران والصراع مع الشيوعية. كما أن مارشال وفورستال كانا يبنيان معارضتهما على أساس جيوسياسي، وعدم الإساءة إلى العرب، والسعي السوفييتي لإيجاد موطن قدم في الشرط الأوسط.
تظهر أوراق ترومان في مكتبته أن قضية «إسرائيل» كانت بعيدة عن جدول أعماله، وأعرب عن استيائه من الإلحاح الصهيوني المتواصل، بضرورة الاعتراف بدولة «إسرائيل»، حتى إنه أمر بألا يسمح بدخول قادة الصهاينة الأمريكيين إلى البيت الأبيض.
بيد أن الصهاينة الذين لا ييأسون، حركوا اليهودي ايدي جاكويسون (تاجر الملابس في كنساس) صديق ترومان الحميم منذ سنوات الطفولة، وزميله في الجندية وشريكه في عملهما التجاري الأول؛ للضغط على الرئيس الأمريكي الذي كان يملك الحق بحكم الصداقة الطويلة في رؤيته في أي وقت. وأقنع جاكويسون ترومان باستقبال حاييم وايزمان الذي حضر إلى الولايات المتحدة خصيصاً للقاء ترومان، وانتهى الاجتماع السري بينهما إلى إقناع الرئيس الأمريكي بالاعتراف ب«إسرائيل»، حال إعلانها دولة مستقلة، على خلاف رأي وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين.
وفي الاجتماع العاصف الذي نقل فيه ترومان إلى طاقمه الوزاري قراره بالاعتراف ب«إسرائيل» عارضه مارشال علناً، وقال له إنه «يلعب بالنار من دون مبرر»، ويخون ثقة طاقمه الدبلوماسي؛ بل ذهب إلى القول إنه سيعمل ضد ترومان، وسيصوت ضده في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
عندما أشار الدبلوماسيون إلى وجهة النظر العربية كمبرر للتريث في تأييد إعلان دولة «إسرائيل» قال لهم ترومان: إن هناك عدداً قليلاً من العرب بين ناخبيه، في إشارة إلى تعويله على المال والنفوذ الصهيوني لمصلحة إعادة ترشيحه في انتخابات نوفمبر/‏‏‏‏تشرين الثاني 1948.
المدهش أن ترومان الذي اعتبر اعترافه ب«إسرائيل» رافعة لجر الدول المترددة الأخرى لاتخاذ الخطوة نفسها، لم يزر «إسرائيل» قط؛ رغم الدعوات الملحة له لزيارتها عندما كان في المنصب وبعد خروجه وتقاعده حتى وفاته.

ترامب والاعتراف بحقائق الواقع

الرئيس الأمريكي ترامب هو خلاصة «التابعين» التي نجح النفوذ الصهيوني في وضعه بمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة.
فالملياردير المثير للجدل بصفاته الشخصية التي تجمع بين النرجسية والغطرسة وإحساس التفوق والرغبة في صحبة الأقوياء والأغنياء، مع عدم القدرة على القراءة أو الصبر عليها والرغبة الدائمة في اتخاذ القرارات سريعاً، وعدم الثقة في أحد إلا بالمقربين، هو «بطل» الصهيونية الثالث؛ لتنفيذ رغائب «إسرائيل».
فرغم أن ترامب ادعى أنه ينفذ وعوده الانتخابية، إلا أن تعهداته السرية والعلنية للوبي الصهيوني كانت مقدمة على غيرها.
فقد ألغى تماماً دور وزارة الخارجية في إدارة ملف السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية. وعهد بالملف إلى صهره كوشنر الذي استحوذ على قلب ابنته الأثيرة ايفانكا وتزوجها بعد أن تحولت إلى اليهودية وفي طقوس تلمودية.
قبل أن يكمل عامه الأول في المنصب أعلن ترامب اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة ل«إسرائيل»، وأصدر أمراً بنقل سفارة الولايات المتحدة في «إسرائيل» من «تل أبيب» إلى القدس، وهو ما تم قبل عام (في 15 مايو/‏‏‏‏أيار 2018)، وقطع كل المساعدات الأمريكية عن الشعب الفلسطيني، وألغى المساهمة الأمريكية في ميزانية وكالة «أونروا»، وألغى مكتب التمثيل الفلسطيني في واشنطن، وتضامناً مع «إسرائيل» أعلن انسحاب بلاده من منظمة اليونيسكو وأي اتفاقات دولية قد تجعل الولايات المتحدة خاضعة للقضاء الدولي، كما هدد المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب ذلك أعلن ترامب تفهمه لما سمّاها «حقائق الواقع»؛ للاعتراف بضم «إسرائيل» للجولان السورية المحتلة.
وادعى ترامب أنه اتخذ قراره الاعتراف بضم «إسرائيل» للجولان بعد دراسة، وأتضح أن دراسته هذه مبنية على سؤال وجهه إلى صهره الأثير كوشنر الذي أجابه بتوضيح «حقائق الواقع»، وهو تعبير غير ذكي عن محاولة ساذجة لإيجاد تبرير مخادع وتزويق وتزييف الواقع نفسه.
و«حقائق الواقع» هي أيضاً المبرر الذي ساقه كوشنر ومن أمامه ترامب للقول إن المفاوضات «الإسرائيلية» الفلسطينية يجب أن تبنى على الحقائق لا الأوهام. وأهم هذه الحقائق أن القدس هي عاصمة «إسرائيل».
وخطوط خطة السلام الأمريكية التي يتولى كبرها اسماً كوشنر، وحقيقة «إسرائيل» هي تزوير للحقائق، ومحاولة لفرض مرجعية تقوم على الأوهام لإكمال ابتلاع فلسطين...
فيا لبشرى العالم بالفتح الجديد بمنطق «حقائق الواقع» التي تبرر للص بالاحتفاظ بالمسروقات ما دامت بيده.


فلسطين..هدف الاستراتيجية اليهودية 


الصهيونية هي حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق قارة أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين، بدعوى أنها أرض الآباء والأجداد (إيريتس يسرائيل)، ورفض اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى للتحرر من الاضطهاد الذي وقع عليهم في الشتات.
يرى البعض أن بدايات الفكر الصهيوني كانت في إنجلترا في القرن السابع عشر في بعض الأوساط البروتستانتية المتطرفة التي نادت ب «العقيدة الاسترجاعية» التي تعني ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين شرطاً لتحقيق الخلاص وعودة المسيح، لكن ما حصل هو أن الأوساط الاستعمارية العلمانية في إنجلترا تبنت هذه الأطروحات وعلمنتها، ثم بلورتها بشكل كامل في منتصف القرن التاسع عشر على يد مفكرين غير يهود، بل معادين لليهود واليهودية، ونشأت الصهيونية لتصبح مهمة الحركة تغيير واقع اليهود في قارة أوروبا إلى دولة قومية تجمع اليهود من كل أنحاء العالم. وارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الحديث، والذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم.
عقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية في بازل بسويسرا 1897، لتُطبق الصهيونية بشكل عملي على فلسطين، فعملت على تسهيل الهجرة اليهودية ودعم المشاريع الاقتصادية اليهودية. نجح هرتزل في الترويج لفكرة استعمار فلسطين وإقامة وطن لليهود هناك. وكان من أهم نتائج مؤتمر بازل إقامة المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الصهيوني الذي ينص على أن «هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام».
وأكد المؤتمر أن المسألة اليهودية لا يمكن حلها من خلال التوطين البطيء، أو التسلل من دون مفاوضات سياسية أو ضمانات دولية أو اعتراف قانوني بالمشروع الاستيطاني من قبَل الدول الكبرى. وقد حدد المؤتمر ثلاثة أساليب مترابطة لتحقيق الهدف الصهيوني، وهي: تنمية استيطان فلسطين بالعمال اليهود الزراعيين، وتقوية وتنمية الوعي القومي اليهودي والثقافة اليهودية، ثم أخيراً اتخاذ إجراءات تمهيدية للحصول على الموافقة الدولية على تنفيذ المشروع الصهيوني. والأساليب الثلاثة تعكس مضمون التيارات الصهيونية الثلاثة: العملية (التسللية)، والثقافية (الإثنية)، والسياسية (الدبلوماسية الاستعمارية). كما خلص المؤتمر إلى تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة هرتزل، الجهاز التنفيذي «الوكالة اليهودية» لتنفيذ قرارات المؤتمر، ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين
وبعد تأسيس «إسرائيل» عام 1948 أخذت الحركة الصهيونية على عاتقها توفير الدعم المالي والمعنوي للدولة.

محاولات مستميتة لاقتلاع البشر والحجر والشجر
مستوطنات وطرق التفافية.. وجدار لمصادرة الأرض


«إسرائيل» باختصار هي سرقة وطن ومحاولة إسباغ الشرعية على هذه السرقة باعتراف الدول الكبرى، لتحويلها إلى شرعية دولية، رغم أن «إسرائيل» نفسها وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة لا تعترفان بالشرعية الدولية عندما يتعلق الأمر بامتثال «إسرائيل» نفسها لهذه الشرعية.
«إسرائيل» التي تحاول أن تروج لنفسها في العالم بأنها دولة عصرية وديمقراطية يسودها حكم وسيادة القانون، تكذب وتكذب وكذبها مفضوح، فأفعالها وقوانينها تفضح عنصريتها وعدوانيتها وخروجها السافر على القيم الدولية من احترام حقوق الإنسان وكرامته والامتثال للقانون الدولي والإنساني.
إمعاناً من دولة الاحتلال «الإسرائيلي» في تنفيذ أجندتها الصهيونية، تبنت منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، سياسة تطهير متواصلة للاستيلاء على أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين منها. وكرست دولة الاحتلال نظرياً وعملياً بناء نظام فصل عنصري بدأت الحكومة «الإسرائيلية» بتطبيقه على الأرض بالتدريج على مدى سنوات منذ 1967.

ابتلاع الأرض بالقوانين الاحتلالية

واستولت قوات الاحتلال بالقوة وبأغطية متنوعة لتكريس ابتلاع الأرض بالقوانين الاحتلالية وبالأوامر الإدارية ووضع اليد والتمدد التدريجي لالتهام المزيد من الأراضي لتشييد المستوطنات والاستيلاء على الأراضي الخصبة وموارد المياه وحرمان الفلسطينيين أهل الأرض الأصليين من الموارد الطبيعية.
ولتأمين المستوطنات أقيمت الحواجز العسكرية الثابتة والمتحركة لعرقلة حركة التنقل الفلسطينية، وإغلاق القرى والبلدات القريبة من المستعمرات، وسد وتجريف الطرق لمنع الفلسطينيين من استخدامها، وعزل التواصل الطبيعي بين الوجود الحضري والسكاني الفلسطيني.
وفي غضون السنوات الراهنة ارتفع عدد المستوطنين إلى 350 ألفاً، ولاتساع هذه المستوطنات عملت دولة الاحتلال على ربط هذه الكتل الاستيطانية بما يقطع الأرض الفلسطينية ويمنع تواصلها الطبيعي ويحرق أي ورقة لصالح حل الدولتين. وذروة سنام هذه العنصرية تشييد جدار الفصل والضم في الضفة الغربية على الأراضي الفلسطينية والتغول عليها، إضافة إلى الطرق الالتفافية «الإسرائيلية» التي تشيد بانتزاع المزيد من الأراضي من زمام القرى والبلدات الفلسطينية، والتي يستخدمها المستوطنون لوحدهم. وعلى سبيل المثال فإن شارع التفافي حوارة استلزم مصادرة مئات الدونمات من أراض في 7 بلدات، جنوب نابلس هي بورين، وحوارة، وبيتا، وعورتا، ويتما، والساوية، وياسوف، أما «التفافي العروب» فقد التهم أكثر من 1273 دونماً تحديداً في مناطق جبل القرن، وبيت زعتة، وجبل أبو سودة، والعقاب، وفريديس، وواد الشيخ، وواد العروب، ورأس القاضي، وخربة ام الدرج، وظهر البو، لشق طريق استيطاني يمتد من «عصيون شمال الخليل حتى حلحول، والهدف الاستراتيجي من هذا الشارع يكمن في ربط ما يسمى بالقدس الكبرى التي حدودها تصل لبيت البركة مع مستوطنة «كريات اربع» ومستوطنة «كرمي تسور».

تهويد المقدسات

إلى جانب ذلك بدأت دولة الاحتلال منذ سيطرتها على الضفة الغربية في 1967 في مشروع تهويد المقدسات الإسلامية في الضفة، فتم تقسيم الحرم الإبراهيمي مكانياً وزمانياً، ووضعت المقابر الإسلامية تحت طائلة التجريف لتشييد الحديقة اليهودية في القدس، وهدم حي المغاربة لفتح الطريق لحائط البراق الذي يعتقد اليهود انه حائط المبكي، فضلا عن اغلاق مصلى باب الرحمة، وبدء الحفريات وسلسلة الأنفاق تحت المسجد الأقصى المبارك، والمحاولات الحثيثة لتهويده وهدمه في نهاية الأمر لتشييد الهيكل المزعوم قدس الأقداس اليهودي.
وفي السياق الاقتحامات المتواصلة للمستوطنين باحات الحرم القدسي تحت حماية القوات الخاصة لجنود الاحتلال، واعتقال ومنع سدنة الحرم من دخوله. وليس بعيدا المحاولة الآثمة لحرق المسجد الأقصى في 1969. فضلا عن الاستيلاء على املاك الأوقاف المسيحية وتسريب أملاك الكنيسة الأرثوذكسية.

دولة فصل عنصري

الممارسات الاحتلالية المستمرة تؤكد ان «إسرائيل» دولة فصل عنصري، وأن سيطرتها وهيمنتها على الأرض الفلسطينية تشبه نظام الفصل العنصري (ابرتهايد) الذي كان سائدا في جنوب إفريقيا. وسدرت «إسرائيل» أكثر في عنصريتها بأن شرعنتها، وكان قرار الكنيست باعتبار «إسرائيل» دولة عرقية عنصرية وليست ديمقراطية كما كانت تروج دائما إلى انها واحة ديمقراطية في وسط غير ديمقراطي.
وبحسب شهادة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، فإن الفلسطينيين في الضفة الغربية» يخضعون لنظام معقد من السيطرة، منها معيقات مادية كالجدار والحواجز والمتاريس، ومعيقات بيروقراطية مثل التصاريح وإغلاق المناطق والتي تحد من حقهم في حرية التنقل. فيما يستمر توسيع المستوطنات، والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والموارد الطبيعية والتهجير بسبب عمليات الهدم بشكل خاص للمنازل والمنشآت الزراعية والصناعية والتعليمية وبعضها منحة من دول الاتحاد الأوروبي.
ونشرت حركة «السلام الآن «الإسرائيلية» تقريراً أكد أن 19346 وحدة استيطانية بنيت في مستوطنات الضفة الغربية والقدس المحتلة خلال عشر سنوات من حكم بنيامين نتنياهو، مبينًا أن نحو 13608 وحدة منها (أي ما نسبته 70%) تم بناؤها في مستوطنات معزولة أصبح يتواجد بها 60 ألف مستوطن في ظل مزيد من بناء الوحدات فيها.
واعتبر مجلس المستوطنات نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة تأييداً لبسط سيادة الاحتلال على مناطق في الضفة الغربية وغور الأردن.
وقد تزايدت في السنوات الأخيرة المحاولات المحمومة لتهويد القدس المحتلة، فإلى جانب الإغلاقات المتكررة للمدينة القديمة في أيام «الأعياد اليهودية» وتحويلها إلى ثكنة عسكرية، درجت سلطات الاحتلال على هدم منازل الفلسطينيين في الأحياء المحيطة بالحرم القدسي بحجة البناء من غير ترخيص وفرض غرامات باهظة على الأسر الفلسطينية، فضلا عن الاستيلاء على منازل فلسطينية خاصة في سلوان جنوب المسجد الأقصى بعد دعاوى قضائية لصالح جمعيات استيطانية والهدف خلق حالة شبيهة للوضع في المدينة القديمة في الخليل لزرع حي يهودي كامل وما يستتبع ذلك من اجراءات امنية لحمايته والتضييق على الفلسطينيين. وأعمال التهويد في القدس وبيت لحم لا تنتهي وقد كشف النقاب عن مشروعات يهودية ضخمة في المدينة المقدسة حول الحرم القدسي، مثل الحديقة التوراتية والتلفريك والفنادق والجسور العلوية للوصول إلى الحرم القدسي.

نهب المنازل والأراضي

كما ان سلطات الاحتلال في اطار سعيها للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في بيت لحم والخليل لم تتوقف عن تسليم السكان الفلسطينيين إخطارات بإخلاء أراضيهم ومنازلهم، وعدم دخول أراض بحجة أنها أراضي دولة رغم أن السكان يملكون فيها أوراقا ملكية متوارثة عن الآباء والأجداد. والادعاء «الإسرائيلي» مجرد حيلة وذريعة للاستيلاء على أراضي واسعة وضمها للبؤر الاستيطانية المجاورة
أما في طولكرم وجنين ونابلس تقوم قوات الاحتلال وبشكل مستمر بالاعتداء على المزارعين أثناء عملهم في أراضيهم بحجة قربها من المستوطنات، على الرغم من امتلاك أصحابها الأوراق الثبوتية «الطابو» التي تؤكد ملكيتهم لها، في الوقت الذي يستمر فيه الاحتلال بأعمال توسيع للمستوطنة بوتيرة متسارعة على حساب أراضي المواطنين في المنطقة.
«اسرائيل» التي بدأت باقتلاع 750 الف فلسطيني من بيوتهم وقراهم وبلداتهم في 1948، وارتكبت مجازر بحق الفلسطينيين، لم تتوقف يوما عن تهجير الفلسطينيين سواء كان ذلك في أراضي ال 48 او 1967 وفي الذاكرة هدم قرية العرقوب المرة تلو الأخرى كنموذج لما يحدث وتخطط له في النقب. والخان الأحمر المهدد بالهدم منذ أشهر نموذج آخر لمخططات التهجير والاقتلاع في الأراضي المحتلة عام 1967.

استهداف الحجر والشجر

الإنسان الفلسطيني المهدد دائما والذي تريد «إسرائيل» اقتلاعه وحجره وشجره، يمثل هدفا لا تمل الدولة العنصرية عن استهدافه لأن وجوده على الأرض ينغص عليها وعلى مستوطنيها، فالوجود الفلسطيني يؤكد من الأصيل ومن الدخيل من الثابت الراسخ ومن الطارئ المغروز.
منذ 1967 وحتى الآن اعتقلت قوات الاحتلال اكثر من مليون فلسطيني، ولم توفر الاعتقالات رجلا أو امرأة، طفلا أو شيخا، ويقبع الآن اكثر من 7 آلاف فلسطيني أسرى في سجون ومعتقلات الاحتلال في ظروف أسر سيئة تترافق مع سوء المعاملة وإهدار الكرامة والإهمال الطبي والموت البطيء وإهدار الحقوق القانونية والإنسانية.
ولاحقت «إسرائيل» قيادات الشعب الفلسطيني، فاغتالت قادته السياسيين والميدانيين، في فلسطين المحتلة وفي الشتات، والقائمة تطول من الزعيم التاريخي ياسر عرفات (ابوعمار)، وخليل الوزير (ابوجهاد)، وصلاح خلف (ابو اياد) نواب وعلي مصطفى، ويحيي الشقاقي، واحمد ياسين، وعبدالعزيز الرنتيسي، وكمال عدوان، وغسان كنفاني، وابوحسن سلامة، وهائل عبدالحميد (ابوالهول) وماجد ابوشرار...
وما كان لدولة الاحتلال ان تسدر في غيها وانتهاكها لحقوق الشعب الفلسطيني لولا الحماية التي تسبغها الولايات المتحدة على ربيبتها وتمنع مساءلتها ومحاسبتها على ما تقترف يداها من جرائم حرب وضد الانسانية، وتحصنها بالفيتو المشرع دائما ضد ارادة المجتمع الدولي، وتعاقب وتهدد مؤسسات النظام الدولي اذا تجرأت ورفعت اصابع الاتهام إلى «اسرائيل» أو أصدرت قرارا ضدها. وليس ببعيد انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) والتوقف عن تسديد حصتها في ميزانية وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا)، ووقف المساعدات الأمريكية للشعب الفلسطيني المقررة حسب الاتفاقات اللاحقة لاتفاقية اوسلو، وطرد المكتب الفلسطيني من واشنطن، فضلا عن تهديد المحكمة الجنائية الدولية ومنع المدعية العامة فيها (فاتو بنسودة) من دخول الولايات المتحدة (باستثناء نيويورك مقر الأمم المتحدة لاعتبارات اجرائية).
عندما قرر الأمين العام للامم المتحدة الأسبق كوفي عنان تشكيل لجنة جمع حقائق دولية حول مجزرة مخيم جنين تواطأت الولايات المتحدة مع ربيبتها لقتل اللجنة في مهدها ومنع اي تحقيق في الكارثة التي وصفها المبعوث الأممي الأسبق للأراضي الفلسطينية تيري رود لارسن عندما زار المخيم بانها جعلت المكان يبدو وكان قنبلة ذرية ضربته. رغم كل ما فعلته «اسرائيل» وستفعله، فهي لم توفر شيئا في جعبتها من اجل ابتلاع فلسطين، ولن يتحقق لها ذلك بالطبع مادام هناك فلسطيني ينبض قلبه بالحياة ويملك ارادة المقاومة.. مقاومة الاقتلاع والابتلاع والاحتواء والتذويب والتدجين.
***
المعركة أزلية بين الخير والشر. بين الاصيل والمصنوع. بين ابن الأرض والطارئ عليها من شذاذ الآفاق.
الفلسطيني هو ابن الأرض والجغرافيا وسيبقى. اما المستوطن فهو ابن الأوهام والأساطير صنيعة الشتات تحركه الأطماع والمغريات المادية وستردعه وتعيده من حيث أتى رشقة حجر. وليس غريبا أن «إسرائيل» وحلفاءها لا ينفكون عن الحديث عن امن «إسرائيل» مقدما على كل شيء، فرغم الحصانة الدولية وترسانات الأسلحة ومزاعم التفوق العسكري إلا أن «إسرائيل» تخشى على أمنها. هو إحساس «اللص» الذي يخشى ان يكشف وينتزع منه الحق. هذا اذا كان اللص حقيراً فما بالك بمن يحاول سرقة وطن.

 المصدر - الخليح الإماراتية

لمتابعة الأخبار أولاً بأول سجل اعجابك بصفحتنا : اليمني اليوم

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص