2019/06/03
«إسرائيل».. والصراع على اليهودية

كشفت الأزمة التي أدت إلى حلّ البرلمان «الإسرائيلي»، وأعجزت رئيس الوزراء نتنياهو عن تشكيل ائتلاف حكومي، عن الصراع الدائر داخل المجتمع «الإسرائيلي» بين العلماني والديني.

اصطدم بنيامين نتنياهو بعقبة عرقلت فرصته في أن يصبح أطول رئيس وزراء خدمةً في تاريخ «إسرائيل».

وفشل نتنياهو في تشكيل ائتلاف حاكم، وحلَّ البرلمان في 29 مايو/ أيار. وهذا يعني أنه يجب على «إسرائيل» أن تعقد انتخابات جديدة، من المقرر إجراؤها في 17 سبتمبر/ أيلول.

ونتنياهو هو زعيم حزب الليكود الذي تلقّى أغلبية الأصوات في انتخابات إبريل/ نيسان. وعلى عكس الولايات المتحدة، يصوّت الناس في «إسرائيل» للأحزاب، لا للمرشحين. ثم يُدعى الحزب الفائز إلى تشكيل ائتلاف حاكم مع الأحزاب الأخرى.

إذاً، ما الذي اعترض طريق حكومة نتنياهو؟ في تقديري، هو الصراع على ما يعنيه أن يكون المرء يهودياً.

اليهود المتديِّنون والتجنيد الإلزامي

أنا عالِمة أنثروبولوجيا تدرُس مسائل الدين والسياسة والهوية والصراع في «إسرائيل»، وفلسطين.

ومنذ بعض الوقت، كان هنالك صراع يتعلق بالحَريديّين، اليهود المتديّنين في «إسرائيل».

الحريديّون هم يهود ملتزمون بالدين بشكل صارم، ويكافحون للحفاظ على تقاليدهم. وهم أتباع سلسلة من الأنظمة اللاهوتية، والعديد من الحاخامات المختلفين، المرتبطين بمجتمعات يهودية في بقاع مختلفة من العالم.

وبالنسبة إلى طائفة الحريديين، تُعتبَر دراسة النصوص المقدسة هدفاً أسمى، ووصِيّة، ووسيلة لحماية استمرار الشعب اليهودي. وقد حصل الحريديون على وعود معينة من أول رئيس وزراء ل«إسرائيل»، ديفيد بن جوريون، قبل إنشاء الدولة في عام 1948، من شأنها أن تحمي طائفتهم، وطريقتهم في الحياة.

وقد أعفى الاتفاق الرجال الحريديين الشباب من الخدمة العسكرية التي هي إلزامية لل«إسرائيليين» الشباب الآخرين، كوسيلة للطائفة الحريدية، لدراسة التوارة، وهي ممارسة أساسية في أسلوب حياتهم.

التجنيد الإلزامي

على الرغم من أن الحريديين يشكلون نسبة صغيرة من السكان اليهود «الإسرائيليين»، نحو 10%، فإن أعدادهم تتنامى. كما أن العداء تجاههم، تنامى مع الزمن.

ويشتكي «الإسرائيليون» العلمانيون من أن الحريديين يستفيدون من الرفاه الاجتماعي، ولكنهم لا يساهمون في الجيش، أو الاقتصاد. ولدى الحريديين أُسَر كبيرة على الأغلب، ولأن العديد من الرجال منخرطون في دراسة التوراة أولاً، وقبل كل شيء، فإن زوجاتهم يعملن لإعالة أُسَرهم. وغالباً ما تعيش الأُسَر تحت خط الفقر.

وفي الآونة الأخيرة، تحرك كثير من السياسيين- من كلا اليمين واليسار- للاستفادة من المشاعر المناهضة للدِّين بين اليهود «الإسرائيليين» العلمانيين. ودعَوْا إلى ضمّ الحريديين إلى التجنيد الإلزامي.

وقد لعب هذا الخلاف دوراً رئيسياً في فشل نتنياهو في تشكيل ائتلاف حاكم.

واقترح حزب و«زير حرب» نتنياهو السابق، السياسي اليميني أفيجدور ليبرمان، مشروع قانون في البرلمان «الإسرائيلي» لتجنيد الحريديين.

ويتمّ تجنيد الرجال اليهود والدروز ثلاث سنوات في سن 18 عاماً. ومطلوب من النساء أن يخدمْن سنتيْن. وبعد الخدمة الإلزامية، يسري الالتزام بالخدمة الاحتياطية حتى سن 51 عاماً للرجال، و24 عاماً للنساء.

ويتكون البرلمان «الإسرائيلي»، «الكِنيسِت»، من 120 مقعداً. ولكي يشكل نتنياهو حكومة احتاجَ إلى 61 عضواً على الأقل في ائتلافه. ويحتفظ حزب ليبرمان، «إسرائيل بيتنا» بخمسة مقاعد حاسمة.

واحتج ألوف الحريديّين على مشروع القانون الذي قدّمه حزب ليبرمان.

وفي رأيي أن فشل نتنياهو توَقَّفَ على الصّراع على ما يعنيه أن يكون المرء يهودياً، ومَن يتحكم في اليهودية في الدولة التي تصف نفسها أنها يهودية. وما هو مهمٌّ في كون المرء يهودياً في «إسرائيل» يتحول ويتغيّر طيلة الوقت. ولكن «اليهودية» تُحدّدها الدولة، و«يُحافَظ على يهودية» الناس بالزواج، وقانون الأسرة، والقوانين المتعلقة بإبقاء الطعام حلالاً «كوشير»، والحفاظ على السبْت (باعتباره يوم راحة).

ويشير كثير من المحللين إلى أن ذلك كان مجرّد استغلال للسلطة السياسية من جانب ليبرمان.

قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن في نظري، أن القضية التي اختار أن يستغل السلطة فيها مهمّة.

يَعتبر كثير من العلماء هذا الوضع انعكاساً لصراع أوسع بين الدينيّ والعلماني في «إسرائيل». ويرى (الأستاذ الجامعي)، «جاي بن بورات» أنه مسألةُ «عَلمَنة غير مكتملة».

ومعظم الديمقراطيات المعاصرة، بما فيها الولايات المتحدة والهند، ترعى شكلاً من أشكال «الفصل بين الكنيسة والدولة» في دستورها. ولكن «إسرائيل» ليس لديها دستور، ولأن اليهودية دين وقومية على حدٍّ سواء، أصبح الاثنان مجدوليْن معاً.

في الولايات المتحدة، تعني العلمَنة حماية الدين من تدخّل الدولة. أمّا في «إسرائيل» فإنها تعني في الأساس، إيجاد طرق لمنع التأثير الديني في الشؤون المدنية.

ويقترح بعض العلماء والناشطين إقرار قوانين لفصل الدين عن الدولة، ولكني مقتنعة بأن المشكلة أعمق من ذلك.

ويميل الغربيون إلى اعتبار الانتماء القومي والانتماء الديني جانبيْن منفصليْن من جوانب الهوية. فيمكن للمرء أن يكون أمريكياً كاثوليكياً، أو بروتستنتيّاً هولندياً. وهنالك يهود أمريكيون، ومسلمون فرنسيون.

أمّا في «إسرائيل»، فإن القومية والدين منفصلان ومندمجان في شخص اليهودي في آنٍ واحد. ونتيجة لذلك، لا بُدَّ «لإسرائيل» من الإبقاء على سكان يهود.

«إسرائيل» كدولة عرقية قومية

اليوم في «إسرائيل»، يكافح اليهود العلمانيون من أجل الزواج بطرق تناسب نظرتهم إلى العالم. ولا يُعتَرَف رسميّاً إلاّ بمراسم الزواج التقليدية، ولذلك غالباً ما يسافر الشاب، والشابة، العلمانيّان إلى الخارج، لعقد قِرانهما. وتكافح النساء من أجل الصلاة في الأماكن العامة بطرق تعكس معتقداتهن.

وفي بعض الأحيان، يعاني الناس كسْبَ قوُتهم بسبب قوانين الدولة التي تحظر العمل في يوم السبت. وإذا اشتغل اليهود في حلْب أبقارهم، أو أغنامهم في يوم السبت، فإن الحليب الناتج، وفقاً للسلطة الحاخامية التي ترعاها الدولة، لا يجوز بيعه كطعام حلال (كوشير). وفي التفسيرات الصارمة للشريعة اليهودية، يُعتقد أن حالات الحظر المفروض على العمل، سوف تمنع اليهود من تدنيس السبت، وبالتالي، تُبقي الناس «يهوداً».

وكما أقول في كتابي الذي يصدُر قريباً، بعض الناس لا يُعتبَرون يهوداً بما فيه الكفاية، وتجعلهم حاخامية الدولة الرسمية، يعتنقون الدين عند بلوغ الرشد. وآخرون، مثل المتطرفين في التديّن، يُعتبَرون يهوداً أكثر من اللازم، ويُطلب منهم التقليل من دراسة التوراة، والخدمة بعض الوقت في الجيش الوطني.

إن العديد من المتديّنين يعارضون الصهيونية بطريقة مؤسَّسية. وبالنسبة إلى الحريديّين، يجب على البشر ألّا يتدخّلوا في عمل الرب، ولذلك، يجب ألّا تقام دولة يهودية قبل مجيء المسيح. وقد يساعد فهم هذا الانقسام، في توضيح السبب الذي جعل قانوناً يتطلب الخدمة في القوات المسلحة بدلاً من دراسة التوراة، عقبة كبيرة تَعَذّرَ على نتنياهو تجاوُزها.

* أستاذة الدراسات العالمية في جامعة نورث كارولينا- شارلوت.- موقع: «ذي كنفرسيشن»

تم طباعة هذه الخبر من موقع اليمني اليوم www.alyemenialyoum.com - رابط الخبر: http://alyemenialyoum.com/news48899.html